مر ما يزيد على الأسبوعين منذ بدأت إسرائيل حربها التدميرية على لبنان، ورغم ذلك لا تزال صواريخ حزب الله تنهمر على المدن الإسرائيلية، ولا تزال مقاومة هذا الحزب مستميتة في القتال ضد القوات الإسرائيلية البرية التي حققت تقدماً محدوداً باحتلالها بعض القرى الصغيرة في الجنوب اللبناني.
لم تلق دعوات وقف القتال التي أطلقت، من هنا وهناك، غير آذان طرشاء من قبل الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة القادرة على إجبار إسرائيل على وقف التدمير الهائل الذي لحق بلبنان، ولم تُقدم مبادرات لإيجاد حل سياسي سوى المبادرة السعودية التي رفضتها إسرائيل لأنها تتحدث في أحد بنودها عن تبادل للأسرى، إضافة إلى المبادرة السورية التي رفضتها الولايات المتحدة، فهي تدعوها إلى حوار مباشر حول الحرب في لبنان.
من الواضح أن وقف النار لن يتأتى إلا بعد ان تحقق إسرائيل أبرز أهدافها وهو إلحاق أبلغ الأضرار بالبنية العسكرية لحزب الله، ولكن ذلك حتى لو تحقق فإنه لن يضعف من النفوذ السياسي لهذا الحزب الذي تضاعف الدعم له داخل لبنان وخارجه، وهذا ما اعترفت به أوساط عديدة بطرائق غير مباشرة، إذ لم تخل تصريحات العديد من المسؤولين في إسرائيل وفي الولايات المتحدة وأوروبا من تفهم لهذه الناحية، فقد عبروا عن رغبتهم في عدم استبعاد هذا الحزب من المعادلة السياسية في لبنان، على الرغم من أن أحد أهداف هذه الحرب التدميرية هو تأليب اللبنانيين على هذا الحزب محملين إياه مسؤولية الدمار الذي لحق بلبنان.
فالزيارات التي قام بها بعض وزراء الدول الغربية للبنان لا تتعدى زيارات استطلاع ميدانية للأوضاع كمقدمة لبلورة موقف يتناسب مع فداحة الأضرار التي أُلحقت بالبنى التحتية والمرافق المدنية، وامتصاصاً للاستياء الذي ينتشر في معظم عواصم العالم لهذا السكوت الدولي على ما يجري. ومن بين التصريحات الملفتة للنظر تصريحات الوزير البريطاني كيم هويلز التي انتقد فيها السياسات الإسرائيلية وأملَ أن تعي واشنطن آثار ذلك.
وقد اعتبرت صحيفة الاوبزرفر البريطانية تصريحات الوزير هذه أول انتقاد بريطاني علني للولايات المتحدة. أما مبعوث الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فقد ذهل لما رأى من دمار، ووصف الحالة في لبنان بأنها كارثة إنسانية. وتشهد المنطقة، منذ بداية العمليات العسكرية، أكبر عمليات إخلاء منذ الحرب العالمية الثانية، فقد وجد عشرات الآلاف من الأجانب أنفسهم محصورين في لبنان الممزق، حيث تعمل على مدار الساعة مختلف وسائل الإخلاء بكل طاقاتها.
أما وزيرة الخارجية الأميركية رايس، التي وصلت إلى المنطقة مساء الرابع والعشرين من يوليو الجاري، فهي الأخرى، لم تحمل أية مبادرة لوقف المعاناة الإنسانية، وإنما حملت للبنان شروط استسلام تام للمطالب الإسرائيلية مع حزمة مساعدات، بينما حملت لإسرائيل شحنة من القذائف الذكية التي توجه بأشعة الليزر سبق أن طُلبت على عجل من قبل إسرائيل لإفساح المجال لها لتحقيق احد الأهداف المشتركة بينهما، وهو تدمير احدى القوى التي تصنفها الولايات المتحدة على أنها قوة إرهابية تعوق مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي بدأت بتسويقه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لا يخفى على من يرصد الأحداث أن هذه الحرب قد اندلعت بعد بضعة أيام فقط من توقيع كل من تركيا والولايات المتحدة على مذكرة التفاهم والشراكة في مشروع الشرق الأوسط الكبير عند زيارة وزير الخارجية التركي الأخيرة إلى واشنطن. كما لا يخفى على هذا الراصد أن ما رافق الهجمات الأولى للطيران الإسرائيلي على لبنان هو تصريحات الوزيرة الأميركية رايس عن بزوغ شرق أوسط جديد من هذه الحرب. ويبدو أن هذا الشرق الأوسط لن يبزغ، وفق التصور الأميركي، إلا من خلال دخان المدافع وأزيز الطائرات وصرخات وأنين الضحايا الذي بدأ في أفغانستان ثم العراق ونشهده الآن في لبنان، والمسلسل سوف يطول.
من المؤكد أن أوضاع لبنان، وربما أوضاع المنطقة بأسرها، بعد هذه الحرب، لن تكون كالسابق، فهذه الحرب ليست حرباً إسرائيلية، وإنما حرباً أميركية أهدافها أبعد كثيراً من مجرد توفير الأمن لإسرائيل، فالولايات المتحدة قد عادت إلى الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، كما عودتنا دائماً، ليس في صالات حوار هادئ وإنما في ساحة حرب مدمرة.
فعلى مستوى الأهداف الإسرائيلية من هذه الحرب، فإن إسرائيل لن ترضى بأقل من نزع سلاح حزب الله، وهو هدف من الصعب جداً تحقيقه، وإزالة الخطر الذي يتهدد شمالها، وهو في الواقع جزء من القرار 1559 الذي اتخذ من قبل مجلس الأمن الدولي في وقت سابق، وهذا يتطلب نشر قوات دولية ضاربة تابعة لحلف الأطلسي يغطي نفوذها، في جنوب لبنان، مساحة توفر لإسرائيل أمناً من قذائف حزب الله، ولا شك أن ما يأتي بذلك سوف يأتي باتفاقية سلم مع لبنان، وهو ما تسعى إليه إسرائيل منذ زمن طويل.
أما ما الذي تهدف إليه الولايات المتحدة التي ترى في هذه الحرب بدء طور جديد من مشروع الشرق الأوسط الكبير، أو ما تستطيع الأعمال العسكرية التي تجرى الآن، أن تجلبه من حلول سياسية تخدم الأهداف الأميركية، فتلك يمكن تلخيصها بما يلي:
1. تدمير البنية العسكرية لحزب الله وإضعافه إلى الدرجة التي لا يعود فيها ورقة ضاغطة قد تستخدم من قبل سوريا أو إيران، وهما الدولتان المتحالفتان معه.
2. تشكيل «مظلة من الحلفاء العرب»، وهو مصطلح استخدمته صحيفة الصنداي تايمز اللندنية، ضد حزب الله لتحجيم دوره السياسي من خلال إضعاف نفوذ النهج الفكري الذي يمثله هذا الحزب.
3. العمل على فك عرى التحالف بين سوريا و إيران، وقد يتأتى ذلك بضغوطات عربية تمارس على سوريا من أجل إقناعها بالدخول في عملية السلام مع إسرائيل من جديد. ووفق ذلك فاستهداف سوريا مستبعد في الوقت الراهن تجنباً لمزيد من التورط والدخول في مسارات قد تكون غير مأمونة النتائج، كما أن هنالك ضغوطاً عربية تمارس على الإدارة الأمريكية لاستبعاد استهداف سوريا لصالح صفقة سياسية ينبثق عنها نظام رسمي عربي جديد تنضم إليه سوريا عبر تحالفات جديدة تسهم في إنجاح مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى إليه الولايات المتحدة.
ولكن هذه الخطوات، حتى لو نجحت الولايات المتحدة في تحقيقها، لا تقدم في الحقيقة إلا حلولاً مجتزأة، لا تخلق شرق أوسط مستقراً، وقد يكون من قصر النظر السياسي الاطمئنان إلى جدواها، فهي إضافة إلى قسرية فرضها، لا تعالج أساس المشكلة المزمنة في المنطقة وإنما بعض تداعياتها.
فهنالك القضية الأكبر وهي الصراع العربي الإسرائيلي، والذي تضعه بعض القوى الهامة في المنطقة بإطار صراع إسلامي إسرائيلي، الذي يمتد إلى ما يزيد على نصف القرن، والذي تأصلت مع قِدمهِ ثقافة تنبعث منها مرارة مشاعر الألم والإحباط واليأس التي قد تدفع إلى شتى أنواع ردود الفعل. وقد أسهمت الأحداث على أرض الواقع في سلسلة الحروب العربية الإسرائيلية، ونحن نشهد سابع هذه الحروب، في دفع الملايين إلى أجواء أكثر إحباطاً من السابق. فهذه المنطقة لن تنعم بسلم حقيقي من غير أن يصار إلى تقديم حلول للمشكلة الأساسية نفسها.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae
