خمسون عاماً مضت اليوم على قرار «تأميم قناة السويس» لا ندري كيف ستعمل الأطراف العربية المعنية ـ أصحاب المصلحة كما يقال حاليا في المصطلح الدولي ـ على إحياء هذه الذكرى ومن ثم على استيعاب ما طرحته وما تطرحه من عبرة ودروس.
والحاصل أنه قد سبقنا في ذلك أطراف أخرى صاحبة مصلحة بدورها، ولكن إلى الشمال البعيد من وطن العرب.. هذه الأطراف هي بالتحديد دوائر الفكر والسياسة والإعلام والبحث التاريخي في انجلترا.
من هنا تابعنا على امتداد شهر يوليو الحالي تلك السلسلة الضافية من المقالات ـ الدراسات التي واصلت نشرها جريدة «الغارديان» البريطانية وكانت أبرزها مقالة الكاتب الإنجليزي ريتشارد تايلور«الغارديان عدد 11/7/2006» بعنوان «إيدن زماننا».
وعندنا أن درس قناة السويس هو أشمل وأعمق وأبعد مدى من مجرد الوقوف عند سيرة أنطوني إيدن رئيس وزراء بريطانيا خلال «أزمة السويس» كما أصبحت تسمى في الحوليات السياسية البريطانية، أو هي «ملحمة السويس» كما نفضل أن نسميها في الأدبيات السياسية العربية.
لقد ظلت قناة السويس تجسد معاني شتى وتنطوي على طروحات وسلوكيات متباينة، بعضها يحمل عبير التاريخ، وبعضها تتصاعد من خلاله سحابات الدخان وغبار المعارك، وبعضها يصل في قتامته إلى ذروة المأساة، وبعضها الآخر يعبر عن قدرة هذه الأمة العربية على تحقيق الإنجاز ومجابهة التحدي والحوار مع العصر بلغة العصر.. شريطة أن تتوافر لها الإرادة القومية والقيادة التاريخية والقدرة على تفهم حقائق الزمن الذي تعيش وتتفاعل فيه.
كان هذا بالضبط حال الأمة منذ 50 عاما مضت: كان الزمان هو مساء يوم 26 يوليو من عام 1956. وكان المكان اسمه «ميدان المنشية» في قلب مدينة الإسكندرية.. ويومها ألقى التاريخ السمع وهو شهيد، يصغى بدقة، ويرمق بإعجاب صنيع أمة عربية كانت يومها تحاول أن تنفض عن كاهلها غبار قرون طالت من الهيمنة والسيطرة الأجنبية، ابتداء بعصور الاستبداد التركي وليس انتهاء بعصور الاستعمار الفرنسي والإنجليزي على وجه الخصوص.
أمة تكلمت بلسان زعيم شاب اسمه «جمال عبد الناصر»®. (كان عمره قد تجاوز الثامنة والثلاثين بستة أشهر وثمانية أيام) وكانت نجواها تدور حول دفتر حافل من دفاتر التاريخ يحمل اسم قناة السويس: من صفحات هذا الدفتر المتضخم ما يحمل عناوين مختلفة: قناة سيزوستريس في العصور القديمة، خليج أمير المؤمنين الذي شهدته بواكير الفتح الإسلامي لمصر..
بحيث يرتبط النيل من عنق الدلتا إلى حيث يصل شرقا في مسار مائي محفور إلى منطقة السويس على بحر القلزم (البحر الأحمر الحالي).. وتمضي صفحات الدفتر إلى العصر الحديث ـ إلى مخططات جماعة السان سيمونيين الهندسية للربط بين البحرين: الأبيض المتوسط شمالا والأحمر إلى الجنوب..
ومن بعدها يأتي المهندس الفرنسي الطموح فرديناند دي ليسبس الذي أقنع والي مصر محمد سعيد باشا مع انتصاف القرن التاسع عشر ببدء حفر القناة المرتجاه.. إلى أن اكتمل حلم الوصل بين البحرين، ومعه اكتملت حلقة الوصل بين قارتي أوروبا وآسيا ومن ثم جنوب الباسيفيك من خلال هذه الوصلة المائية التاريخية التي حفروها فوق تراب قارة ثالثة وهي أفريقيا، وجاء حفرها أقرب إلى تراجيديا الدم والعرق والكدح والدموع حيث راح من ضحايا هذا الإنجاز الهندسي الخطير مئات من فلاحي مصر القادمين من سهول الدلتا وأعالي الصعيد..
وبعدها تم افتتاح القناة في احتفال عالمي مشهود في عام 1869. ومن سخريات القدر أن هذا المهرجان ـ الكرنفال العالمي الذي أقامه الخديوي إسماعيل حاكم مصر وقتها أدى إلى إفلاس خزانة مصر القومية، وأفضى من ثم إلى تنفيذ نظام الرقابة الأجنبية (فرنسية وانجليزية بالذات) على ماليتها وكانت تلك مقدمة مأساوية بدورها للاحتلال البريطاني الغاشم والسافر لمصر كلها في 11 سبتمبر من عام 1882.
وهو احتلال قيض له أن يتواصل حتى 18 يونيو من عام 1956 يوم أن جلت القوات البريطانية عن القطر المصري ومن ثم تطلعت قيادتها الفتية وقتها إلى الأفق البعيد تريد أن تواصل خطى التنمية من خلال مشروع إنمائي كبير هو السد العالي.. الذي رفضت الدول الغربية والبنك الدولي تمويله.. وكان أن أعلن عبد الناصر قراره الذي دوت عباراته الموجزة التي ما زالت ماثلة في ذاكرة الأجيال المخضرمة في أمة العرب:
ـ «قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية».
وفي تصورنا أن العائد من ملحمة قناة السويس لا يمكن حسابه في موازين الجمع والطرح.. ولا من خلال إحصاء المليارات التي عادت على الموارد المخصصة للتنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية في مصر منذ ذلك الحين (أحدث الإحصائيات المنشورة وصلت بعائدات رسوم قناة السويس في العام الماضي إلى نحو 30 مليار جنيه)..
إن العائد الأهم هو التدليل على صلابة الإرادة الوطنية لدى الشعوب، وهو تجسيد القدرات والمواهب العربية (في مصر أيامها) على إدارة مثل هذا المرفق الحيوي بالنسبة لسير الملاحة العالمية، وهو ما سجله العالم يوم أن استطاعت القيادة الوطنية للقناة (المهندس محمود يونس ـ رحمه الله ورفاقه ومساعدوه) أن يسجلوا صفحة إنجاز كبرى في قضية المرشدين للسفن الدولية العملاقة عابرة القناة الذين واصلوا الليل بالنهار واستثمرت القيادة من أجلهم كل الصداقات والعلاقات الدولية في تلك الفترة.
فكان أن تلقوا العون من زملائهم مرشدي اليونان ويوغوسلافيا (الزعيم تيتو) فكان أن سارت الملاحة العالمية من يومها في مرفق القناة الحيوي بغير عوائق ولا اختناقات.
نكتب هذه الكلمات. وقد يطالعها بعض من أبناء الأجيال الناشئة في أمة العرب.. وبين التسطير والمطالعة لم يكن الأمر سهلا ولا كان الطريق ممهدا.. فقد تعرضت مصر وقتها لغزو عسكري حمل اسم العدوان الثلاثي الذي تواطأت على تدبيره بليل كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.. ومرة أخرى استطاع الطرف العربي أن يحسن إدارة المعركة رغم انعدام التكافؤ بداهة ـ من الناحية العسكرية ـ بين مصر وبين المعتدين الثلاثة. وأدى حسن إدارة المعركة على جبهة السياسة وحشد التأييد الدولي وتجسيد التعبئة الشعبية في العالم العربي..
وصمود الطرف المصري في بورسعيد وعلى طول جبهة القناة، ودعم القطب السوفييتي وقتها للحق العربي ـ وحصافة السياسة الأميركية (حقبة الرئيس إيزنهاور) إزاء رفض العدوان (قارن موقف السياسة الأميركية الراهن إزاء عدوانية إسرائيل) ـ أدت هذه العوامل في حال تفاعلها إلى أن خرج الطرف العربي فائزا بجائزة حرب العدوان الثلاثي وهي أن عادت قناة السويس لمصر العربية وانسحبت قوات العدوان العسكرية من التراب المصري، واستطاعت القاهرة أن تستثمر عوائد القناة لبناء السد العالي الذي كان رمزا بدوره ـ كما قال عبد الناصر يومها ـ لتصميم الأمة العربية على أن تعيد بإرادتها صياغة مستقبلها.
هنالك لا مجال في رأينا لحديث يدور عما إذا كان النصر في ملحمة قناة السويس سياسيا أو كان عسكريا.. أو أنها كانت هزيمة حربية يعوضها فوز سياسي. إن الحرب في جوهرها ـ وكما يؤكد واحد من أهم مفكري الإستراتيجية في زماننا وهو كارل فون كلاوز فيتز (1780-1831) صراع إرادات من أجل إحراز أهداف. وقد تغلبت إرادة الطرف العربي في الصمود والمقاومة وإحراز هدفه في انتزاع ملكية قناة السويس.
يبقى السؤال البديهي، عما آلت إليه أحوال الطرف الآخر؟
يجيب عن السؤال بإيجاز شديد كاتب إنجليزي آخر هو الأستاذ مايكل هوايت قائلا في عدد «الغارديان» الذي ألمحنا إليه:
ـ لقد كان الغزو الأنجلو-فرنسي، الذي تم التآمر بشأنه مع إسرائيل منذ 50 عاما نقطة تحوّل أدت إلى انسحاب بريطانيا وتراجعها عن إمبراطوريتها... بعد أن أصيبت وقتها، بصدمة أخرى عقب صدمة استقلال الهند ـ جوهرة التاج ـ في عام 1947.
في نفس السياق يقول الكاتب البريطاني ريتشارد تايلور:
ـ لقد حاول إيدن (رئيس وزراء بريطانيا عام 1956) وصف جمال عبد الناصر بأنه هتلر II ولكن ناصر كان زعيما قوميا عربيا.. (وفي كل حال) ستظل أحداث السويس لحظة تجلت فيها الحقيقة.
نعم.. ستظل لحظة السويس تجليا للحق .. وتظل قناة السويس ملكا لمصر وأمتها العربية.. ويظل استرداد القناة وتحديات إدارتها والتفاف الأمة حول قيادة مصر الوطنية وقتها، وقدرة هذه القيادة على التواصل مع نبض شعوب القارات الثلاث بل وشعوب الغرب نفسه بفضل وضوح رؤيتها وصلابة تصميمها وعدالة قضيتها..
سيظل هذا كله ضوءاً وربما بصيص ضوء يبدد ولو مساحة بسيطة من ستور الظلمة التي تكاد تحجب رؤية المستقبل أمام الأعين العربية في لحظات الزمان الصعب التي نعيش.
كاتب مصري