يحسم سعير الحرب كل الالتباسات، ولا تتيح رحاها عندما تدور وتبدأ الطحن فسحا للراقصين على الحبال ولا الدجالين ولا المتخاذلين ولا أنصاف المقبلين والمدبرين، ففي كرها وفرها وصولاتها لا تطلب إلا أولى العزائم وأصحاب الاختيار الواحد..
فالحرب تكشف وتفضح ورمادها يفعل عكس ما يفعل رماد جمر التدفئة، ففي سكون رماد الحرب خديعة وفي اشتداد بياضه اقتناص، والواقفون في الحرب وهم على حق يؤمنون به كامل الإيمان لا تلعب بهم الأهواء، وهم اشد ولا تأخذهم الرياح ساخنة وباردة إلى التهاء عن الأقدام..
في الجنوب اللبناني حرب مقاومة وحرب كرامة وبطولات يخوضها أبناء الأمة، يواجهون الآلة العسكرية الأكثر تطورا والأكثر فتكا بفضل ما يهدى ويسدى ويغدق عليها من اصحاب الجبروت في الأرض، لكن الآلة مهما بلغت لا تكر ولا تفر كما يكر ويفر ويصول ويجول الجسد الذي تسكنه روح الإيمان بالحق وبالعزيمة، والذي تصلبه وتدعمه دعائم الكرامة والثبات على الثوابت..
هؤلاء الذين يطاردون آلة العدو والذين يباغتونها اليوم على تراب العروبة، عراة الصدور هم أسود أمة يدافعون عن شرف الأرض وشرف حياة العزة، يرونها قد ذاقت ما ذاقت من انكسارات ومن روع ومن انكفاءات، وذاقت ما ذاقت من خذلان وهوان يهبون اليوم وحدهم لحمل الراية وتحمل العبء الكبير..
فهل يفكر أحد في تركهم وحدهم؟ والتخلي عنهم؟ هل يتراجع؟ هل يعود؟ هل يتوقف أو يعزم على الإقدام؟ هل يناصر؟ أم يدخل في فم الصمت ويتوشى بالتلاشي والانزواء؟
الحرب تحسم هذا كله، تجليه وتضعه على رف الحقيقة الواضحة..
في الجنوب اللبناني اليوم حرب طاحنة بين إخوتنا من أهلنا في لبنان العروبة، وبين عدو لنا معه تاريخ من ثأر الآلام، والتاريخ لا يستر من استتر ومن توارى بعيدا عن استحقاقاتها الكاملة..
في أفق هذه الحرب ومن بين غيوم الموت السوداء التي تنفثها اليوم، تنجلي صور مختلفة تصفها وترصدها الحقيقة التي ما بعدها حقيقة حيث لا مكان للمراوغة، وحيث الانكشاف الكبير..
هذه الأمة مرت بأزمات وحروب خلفت ما خلفت من حقائق، صحونا عليها نحن كجيل وعاشتها من قبلنا أجيال، وهذه الحرب ستورث حقيقتها لجيل يأتي بعدنا، والبقعة التي تتوسدها أقدامنا اليوم هي التي ستطبع آثارها وهي التي ستدل علينا إذا نفخت الريح ذلك الغبار وبان ما على الثرى.
حرب الجنوب هذه المرة مختلفة على العرب.. حرب تسأل السؤال الأوضح، وهذا أوضح ما فيها!