الأسلوب الذي تدير به إسرائيل حربها على حزب الله وإرهابها وإملاءاتها ضد الدولة اللبنانية، يشي بانحدار مستواها القيادي إلى درك أسفل على الصعيدين السياسي والعسكري. تظهر بعض آيات هذا التقدير عند النظر المشفوع بالتحليل المجرد للأهداف التي أعلنتها إسرائيل من هذه الحرب: استرداد جندييها الأسيرين بلا تفاوض ودون شروط أو أي ثمن أولا، ودفع حزب الله شمالا إلى ما وراء الليطاني مع إبداله جنوب هذا الخط بقوات من الجيش النظامي اللبناني ثانيا، وتجريد حزب الله من سلاحه ثالثا.

تبرر القيادة الإسرائيلية هدفها الأول بعدم رغبتها في إيجاد سابقة، تجعل من خطف جنودها ومواطنيها وسيلة يضغط بها (الإرهابيون) عليها وينالون منها تحت الابتزاز ! وبهذا الطرح يؤكد إيهود اولمرت وعمير بيرتس وطواقم صناعة القرار من حولهم مدى سخافتهم وتهافت منطقهم. أفلا يعلم هؤلاء أن دولتهم سبق لها أن خبرت مثل هذا السيناريو ولأكثر من تجربة وسابقة؟

إنهم يقينا على دراية كافية بهذه السوابق، لكنهم يأملون في تغطية عجزهم وقصورهم بالمزايدة على أسلافهم من قادة الدولة، بحسبهم لن يقبلوا مبدأ التفاوض والتبادلية في التعامل مع قضية الأسرى.

والحال كذلك، فإن نخبة الحكم الإسرائيلية الحالية تتطلع إلى مواجهة من يصفونها بالضعف وقلة الحيلة قياسا بالسلف الذي مزج بين الخبرتين العسكرية والسياسية، بقرقعة عسكرية غير مسبوقة على الجبهتين الساخنتين شمالاً وجنوباً. وبذلك تكاد هذه القرقعة الكبرى أن تشكل نوعاً من رد الاعتبار ليس فقط لهيبة الأجهزة العسكرية والاستخبارية التي مرغتها عمليتا «الوهم المتبدد» و«الوعد الصادق», وإنما أيضا للثقة في قيادة لم تخرج من رحم المؤسسة العسكرية أساسا في دولة صنعتها هذه المؤسسة.

والظاهر أن عقدة النقص المومأ إليها، ساقت هذه القيادة إلى ما هو أكثر تعقيدا.. ساقتها إلى محاولة امتطاء قضية الأسرى لتحقيق أهداف أوسع وأعمق وابعد غورا، تتعلق بتغيير الخريطة الأمنية الإسرائيلية على التخوم الفلسطينية واللبنانية، وكذا بمحاولة تغيير منظومتي توازن القوى داخل المجالين (النظامين ) السياسيين الفلسطيني واللبناني. بل وقد نذهب مطمئنين مع آخرين إلى أن الحملة الإسرائيلية المسعورة على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية، تتصل باختبارات قوة ونفوذ، وربما تعديل خرائط، في النطاق الإقليمي الأشمل ومن هنا يأتي الحديث عن صلة حماس وحزب الله بكل من دمشق وطهران.

على أن القيادة الإسرائيلية، وهي بصدد مط قضية الأسرى إلى آفاق أخرى غاية في التعقيد، راحت ترتكب مزيدا من الأخطاء التي تراكمت بعضها فوق بعض.

لنتأمل مثلا الغباء الذي يحف بالتمسك بمطلب إجبار حزب الله على إخلاء جنوب الليطاني، طالما ثبت أن الحزب لديه أسلحة صاروخية تصل مدياتها وخطوط نيرانها إلى مناطق إسرائيلية حيوية، حتى وان تراجع إلى شمال الليطاني. لقد استيقن الإسرائيليون من هذه الحقيقة عيانا بيانا، ومع ذلك ما زالوا يتحدثون عن مطلبهم ببلادة واضحة !

إلى ذلك، أين الحكمة في الجمع بين هدفي تجريد حزب الله من سلاحه وإزاحته إلى شمال الليطاني؟! ألا يفترض منطق العقلاء أن واحدا من هذين الهدفين يكفي جدلا للوفاء بالآخر بالنسبة للأمن الإسرائيلي تحديدا ؟ وإذا لم تكن نيات إسرائيل تستهدف سوى بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل ترابها الوطني، فلماذا تبادر إلى إهانة الجيش اللبناني ووضعه على لائحة ضرباتها الإرهابية ؟

ألا يعني ذلك أنها تريده جيشا منزوع القوة يحاور في إطار وظيفة الجندرمة والشرطة الحارسة لحدودها الشمالية ؟! أليس هذا هو المنطق ذاته الذي تتعامل به إسرائيل مع قوات الأمن والشرطة الفلسطينية.. منطق تجريد هذه القوات من عناصر التمكن والكرامة مع مطالبتها في الوقت ذاته بالمساهمة في تقييد حركة المقاومة الفلسطينية تحت شعار «قرار واحد.. سلاح واحد..»؟

ولا ندري إذا ما كانت القيادة الإسرائيلية على وعي بالأبعاد الاستراتيجية لعملية الربط بين حزب الله وحماس وجودا وعدما، قوة وضعفا، وبين دمشق وطهران.. فمثل هذا الربط يضمر من جهة التحريض الدولي ضد هذه القوى باعتبارها اذرعا لدول لها أهداف ابعد من لبنان وفلسطين. لكنه يعني من جهة أخرى أن ثمة قوى إقليمية يعنيها أن لا يخرج حزب الله أو حماس من معادلات لبنانية وفلسطينية وشرق أوسطية معينة، لما لذلك من دلالات على مكانة دمشق وطهران في الأجلين المنظور والممتد.. وهو ما لا يسهل مهمة إسرائيل وتكتيكاتها القائمة على الاستفراد بحزب الله أو بحماس أو بكليهما معا.

مثل هذه المعالجة الإسرائيلية غير المحسوبة جيدا للمواجهة مع حزب الله وحماس، لا من حيث الأهداف المحتملة التحقق ولا من حيث قدرات هذه القوى وموازين القوى معها، وبخاصة لجهة طاقة حزب الله على المقاومة الفاعلة والموجعة، تستدعي التساؤل عمن هو الطرف المغامر غير العاقل في المنازلة الجارية على الساحة اللبنانية..

أهو إسرائيل التي تبغي أهدافا مستحيلة الوقوع؟ أم هو حزب الله الذي حصر غايته بكل بساطة في التفاوض غير المباشر على تبادل الأسرى لا أكثر ولا اقل، مع الاستعداد الواضح للتعاطي مع المستجدات الميدانية بكل هدوء ورصانة وحزم.. نتصور أن الإجابة ما زالت بظهر الأحداث.

كاتب وأكاديمي فلسطيني