أخرجتني دعوة وزير العمل الدكتور علي الكعبي لمؤتمره الصحافي الذي عقده في نادي دبي للصحافة، من الحديث اليومي عن الحدث اللبناني، فأنا كأي عربي يخوض حرب لبنان من خلف الشاشات أشعر كأنني أرحل داخل بئر بلا نهاية.. أرحل داخل ضباب كثيف من الحزن والعجز، وحين تكون في وضعية كهذه، تدمن الشاشة ولا عمل، تشعر بأن أي دعوة للخارج هي حبل نجاة بالفعل!
لست متشائمة، ولست محبطة على الإطلاق، فأخبار الجبهة في لبنان تدعو لشيء من التفاؤل لا ينكر، لكن لبنان ليس مجرد جبهة قتال.. انه ساحة قتل مجانية للطيران الإسرائيلي.. ومشهد الأطفال والنساء والدمار لا يمكنه أن يعبر الذاكرة بسلام أو بلا شظايا تدمر الروح من أعماقها، لست محبطة فيما يتعلق بالمأزق الذي سقطت فيه قوات العدو أو أسقطتها فيه قوات حزب الله.. فمشهد الإسرائيليين يقتلون ويجرحون ويتهاوون هو الآخر لن يعبر الذاكرة العربية أبداً.
في مؤتمر وزير العمل، كان لابد من كلمة تقال في حق الرجل، فقد قيلت عبارات كثيرة، وقيل كلام طويل، وكانت هناك ردات فعل سلبية من جانب الذين رأوا في قراراته الأخيرة بشأن توطين وظيفتي السكرتارية وإدارة الموارد البشرية، نذير نحس وبداية الخطر لمواقعهم ومصالحهم، ومن جانب بعض المشككين في قدرة المواطنين على إشغال هذه الوظائف أولاً، وفي قدرتهم على تحقيق الاكتفاء الوطني من أبناء البلد ثانياً.. وقيل أيضاً كلام كثير يتفاوت بين ردات الفعل الأنانية وردات الفعل غير المتحمسة.
أعتقد أولاً، وهذه وجهة نظر لا علاقة لها بنظرة دونية للآخر، ولا بعنصرية وتحيز للمواطن، ولا بتفاؤل غير مبني على حسابات دقيقة، هذه الوجهة النظر لها علاقة باستحقاقات مفروضة على الحكومة لا تستطيع التخلي عنها تجاه مواطنيها أولاً، وتجاه مشروعها المستقبلي حيال هذا الوطن..
فكما قدمت الإمارات كل تعهداتها الإنسانية والقانونية لحماية حقوق العمال الأجانب وفي أدق التفاصيل، فإن الإمارات معنية أيضاً ـ وهذا حقها وواجبها في الوقت نفسه ـ بأن تستجيب لاستحقاقات الداخل من حيث الضغط الشعبي باتجاه توفير الوظائف للشباب الخريجين والذين تتزايد أعدادهم عاماً بعد آخر.
على الأخوة المقيمين على أرض الإمارات ـ عرباً وأجانب ـ ممن قد يروا في القرارات ضرراً مباشراً أو غير مباشر عليهم أن يتفهموا دور الحكومة تجاه مواطنيها، فهي كأي حكومة أخرى في العالم معنية بهذا الأمر وبشكل كبير ويومي، وتوفير الوظائف وفرص العمل أحد هذه الأدوار الملقاة على عاتق كل حكومة، لأن إهمال هذا الدور، يعني السماح لتفشي حالة من البطالة بين الشباب.
وبالتالي السماح بنمو حالة التذمر والتباعد بين الحكومة ومواطنيها، أو السماح بإلقاء هؤلاء العاطلين في مهب الانحراف والتطرف والاحتياج في دولة رفاهية ونمو اقتصادي لا يجوز أن ينجرف شبابها في هذا الطريق، لأنها بالفعل تستطيع أن توفر لهم العمل الحامي والمحصن لهم ضد هذا المسلك تماماً كما توفر العمل لغير المواطنين.. أليس من حقنا أن نحمي مجتمعنا ونستجيب لتطلعات شبابنا؟.. ما الخطأ في ذلك؟