بكثير من الاحتفاء وقليل من الحكمة، أعلنت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية الجمعة الماضي أنه يولد الآن شرق أوسط جديد ومختلف.. تقصد الوزيرة التي صعد نجمها على أطلال الحرب الباردة أن آلة الحرب الإسرائيلية قد نجحت في خلق واقع جديد، وفرضت إسقاط حزب الله وحماس من المعادلة.
هذه الرؤية تنطوي على أوهام كبيرة، فآلة الحرب الإسرائيلية نجحت في توليد أحقاد جديدة تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تخمد، والعقل العربي رغم كل سوءاته إلا أنه بمرور الوقت يسقط الذرائع ويبقي على صلب الأحداث حية في الضمير..
آلة الحرب هذه بعدوانها الذي فتك بالبشر والشجر والحجر أثبت مقولات لطالما رددها الكثيرون وفندها غيرهم، من نوع أن الصراع مع إسرائيل صراع وجود،وأنه لا استقرار ولا ازدهار ولا أمن في المنطقة طالما بقيت إسرائيل فهي بؤرة سرطانية لا يمكن البحث عن حلول ناجعة إلا بإزالتها.
والمأساوي في طريقة تفكير الولايات المتحدة والغرب أنه يذكر العرض وينسى المرض، فالجميع يسقط من حساباته الماضي القريب ويركز فقط على كيفية حل مشكلات الواقع القائم دون النظر إلى جذورها.. فالواقع البارد يبرز حماس وحزب الله كما لو كانا تنظيمين عنيفين يحملان السلاح ويهددان أمن دولة في المنطقة، وبالتالي فإن القضاء عليهما كفيل بتحقيق الاستقرار.
بالطبع هذه رؤية مليئة بالسفه والخلل، فحزب الله وحماس ليسا غير صورة من صور الممانعة التي تتخذ أشكالا مختلفة لكنها لا تفتر ولا تموت، فكسر إرادة أمة واغتصاب أرضها ليستا بالشيء الهين الذي يمكن تجاوزه. وإن كان قد حدث مثل ذلك في حالة الهنود الحمر فليس معناه أنه قابل للتكرار، فالشعب الذي عاش ومات بشكل بدائي، لا يمكن تعميم تجربته على أمم صهرها التاريخ على مدى قرون طويلة.. انتصرت وانكسرت.. سادت العالم حينا وتراجعت أحيانا، وبقيت في حالات الانتصار والانكسار روابط لا تنفك.. دين واحد غالب، ولغة واحدة، وتاريخ مشترك، وإرث ثقافي واحد ينهل منه الجميع.
حزب الله وحماس لا يختصران تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بل مجرد لاعبين في حلقة من حلقاته، فالأول نشأ عام 1982 والثاني عام 1987.. والمنطقة قبلهما لم تكن تعيش استقرارا يمكن الارتداد إليه بالقضاء عليهما وتحويلهما أثرا بعد عين.. بل مجرد حاملين لراية الكفاح ضد إسرائيل إن سقطا جاء بعدهما من يتسلم الراية نفسها حتى يتحقق الهدف.
من الفطنة إذن أن يحاول الغرب البحث عن السبب الحقيقي، فذلك هو المنطق العلمي الذي يدعي أنه يعمله في كل شيء، لكن رؤية إسرائيل باعتبارها شيئا فوق القوانين والمنطق والقيم فذلك لا يخلف غير الأحقاد المتأصلة في النفوس، فالملايين التي هجرها قصف لبنان الأخير لن تغفر للولايات المتحدة دعمها غير المحدود وتزويدها تل أبيب بأحدث ما في ترسانتها العسكرية من قنابل موجهة بالليزر، والضغط على بعض أنظمة الحكم العربية كي تدين الضحية وتحملها مسؤولية ما فعل الجلاد.. بل تهييء لأكثر من 11 سبتمبر جديد.. وتمنحه المشروعية..
لا القضاء على حزب الله وحماس ولا تغيير نظم التعليم وأنماط الحياة ولا محاولات شفط عوائد البترول العربي، سيقضي على روح المقاومة. فهي موجودة في كل بيت عربي،، هي الهواء النقي الذي نتنفسه ونتوارثه جيلا بعد جيل..
شيء في جيناتنا سيظل صامدا ما بقي ظلم وقهر إسرائيل.. ومن وراء إسرائيل
magdishendi@hotmail.com