في الأيام الأولى للحرب الهمجية المدمرة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد لبنان، نشرت الصحف العالمية وربما العربية، صورة تشبه انفجار قنبلة أو صاروخ في حجم بشاعتها، صورة لأطفال صغار في «إسرائيل» يكتبون بأقلام ملونة عبارات على رؤوس صواريخ موجهة في ثكنة عسكرية أو ربما داخل مصنع لتجميع رؤوس الصواريخ، تقول العبارة التي كان الأطفال يخطونها بعناية «هذه هدية أطفال إسرائيل لأطفال لبنان»!!

ولا أدري ما إذا كان العسكريون الصهاينة قد أبلغوا أطفالهم أم لا بأن هديتهم قد وصلت إلى هدفها تماماً، لكنني على يقين بأن تلك الرسالة كانت أبشع ما كتبه أطفال في الدنيا في كل تاريخ الإنسانية، وبأنها ـ في الوقت نفسه ـ أبلغ رسالة يكتبها مجتمع ليصف من خلالها نفسه وليتقدم بها لجيرانه الذين يدَّعي ليل نهار بأنه يريد أن يعيش معهم بسلام.

وهي في النهاية الرد المختصر والمكثف جداً لكل من لا يصدق أن «إسرائيل» مجتمع عسكري من البداية حتى النهاية، من لحظة الميلاد حتى لحظة الموت، مجتمع لا يعترف بحق أحد في الحياة لأنه على يقين بأن الحياة حوله هي مشروع فنائه المؤجل، لكنه الحتمي!

ومرت الصورة على إعلامنا مرور الكرام، مرت على صناع الخبر والرأي، على أصحاب التحليل والتحرير، مرت بهدوء دون أن يفكروا في استغلالها وتوظيفها ليخاطبوا من خلالها الرأي العام العالمي وليحشدوه معهم ولصالح قضيتهم، تماماً كما كانت ستفعل «إسرائيل» لو أن هذه الصورة عربية والأطفال فيها عرب أو لبنانيون يكتبون العبارة ذاتها على واحد من صواريخ كاتيوشا حزب الله!! هل تدرون ماذا سيكون رد فعل «إسرائيل» وكل يهود العالم إزاء تلك الصورة لحظتها؟ سأترك لخيالكم العنان .

على الإعلام العربي أن يعيد النظر في طريقة تعاطيه مع الأخبار والتحليلات، مع الصورة التي يقدم بها المأساة اللبنانية في بعض أجزائها، مع هذا التطبيع الإعلامي مع أبرز وجوه الساسة والعسكريين الإسرائيليين الذين يطلون علينا كل لحظة، ليمرروا علينا ومن خلال إعلامنا رسائلهم المسمومة وبياناتهم وحروبهم النفسية ضدنا وكذبهم الذي لا ينتهي.

هناك صور تستبيح كرامة اللبناني وإنسانيته وسط المأساة لا يجوز التمادي في إظهارها .. هناك صور إذلال ومذلة لا يجوز التركيز عليها .. هناك صور للمأساة تدين إسرائيل يجب أن تبرز وتستغل ضدهم .. وهناك صور للمأساة يجب أن يحتفظ بها بعيداً عن عيون الجميع!!

sultan@dmi.gov.ae