بعد سنوات طويلة من مطاردة الوهم اعترف العرب أن عملية السلام ماتت، ورغم أن الاستفاقة أمر جيد، حتى ولو جاءت متأخرة، فإن الغريب في الأمر أن يكون الحل بعد نعي عملية السلام هو الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي كما قال الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى.
عملية السلام هي وهم كبير طارده العرب منذ اللحظات الأولى لبداية تجسيد المشروع الصهيوني، ولأن الذين صنعوا هذا الوهم كانوا يعرفون جيداً ما يريدون تحقيقه فقد سموها عملية السلام ولم يقولوا السلام، والفرق بين الاثنين واضح، فالسلام في نظر الإسرائيليين وحلفائهم الأميركيين والأوروبيين هو عملية قد تستغرق عقوداً طويلة، وهو ما حدث بالفعل، وخلال تلك العقود سيكون بوسع إسرائيل أن تفعل ما تشاء، تدمر القوى التي تواجه مشروعها التوسعي وتحتل الأرض وتغير الجغرافيا وتستغل الثروات، وبعد ذلك تعلن نهاية العملية بفرض الأمر الواقع الذي سيسمى زوراً السلام.
وإذا كان مجلس الأمن الدولي يقع تحت سيطرة أميركا فإن توجه العرب إليه يعتبر استمراراً في مطاردة وهم عملية السلام رغم اعترافهم بأنها ماتت، ومجلس الأمن الذي لا يسمح حتى بإدانة إسرائيل بعد الجرائم التي ارتكبتها في غزة ولبنان، لا يمكن أن يكون بديلاً عن عملية السلام الميتة، لأنه هو ميت أيضاً ولا يحيا إلا بأمر أميركا التي تحوله إلى أداة حرب وإرهاب متى شاءت.
البديل عن موت عملية السلام هو المقاومة، وهذه الحقيقة يجب أن يستوعبها العرب جيداً، فإسرائيل لن تتراجع خطوة واحدة إلى الوراء إلا تحت الضرب الموجع، والذين يتفرجون على الأطفال وهم يحترقون أحياءً بنيران السفاحين الصهاينة لا يمكن لهم أن يكونوا دعاة سلام أو وسطاء خير.
فأوروبا، مثل أميركا، أعلنت ولاءها لإسرائيل وهي تنتظر لحظة إعلان انتصار إسرائيل في لبنان لتسويق مشروع جديد، قد يجعل حدود إسرائيل وراء الليطاني ويجعل لبنان دولة منزوعة السلاح ويضفي الشرعية على ضم الجولان ومزارع شبعا. وما تفعله المقاومة في لبنان اليوم هو لمنع تجسيد هذا المشروع الذي يهدد بتهويد بلاد العرب.
وعندما يتم تحميل المقاومة في لبنان مسؤولية التدمير المنظم للبنية التحتية اللبنانية واستهداف المدنيين والحصار الشامل، فهذا يعني أن على اللبنانيين أن يختاروا بين الدفاع عن شرفهم حتى الموت، أو الخضوع للمطالب الإسرائيلية التي تقوم على نزع سلاح المقاومة وترك المجال مفتوحاً أمام الجيش الإسرائيلي ليفعل ما يشاء في المنطقة. فلا وجود لخيار ثالث بعد أن أعلنت بعض العواصم المعنية بالوضع عن انحيازها للمعسكر الإسرائيلي بشكل صريح.
ومن هنا نفهم تخاذل بعض المواقف من العدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين، فهجمات حزب الله ضد إسرائيل مغامرة وأسر الجندي الإسرائيلي مغامرة ومقاومة الاحتلال مغامرة، وحده الخضوع هو القرار الحكيم في نظر البعض.