وكأنها تزف لنا البشارة التي وقفنا قروناً بانتظارها.. أو كأنها ـ هكذا تعتقد كوندوليزا رايس ـ تمد لنا يد الإنقاذ والغوث وطوق النجاة.. حين تبشرنا بالشرق الأوسط الجديد الذي قدمت نفسها «القابلة» المعتمدة له والمصرح لها رسمياً بممارسة الإشراف على عملية الولادة التي تتم حالياً على أرض لبنان الأبي الصامد.

لقد ذكرتني رايس وهي تفجر نبوءة الشرق الأوسط الجديد، بنبوءة أخرى أو بمشروع مماثل سبق لنائب رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي شمعون بيريز أن قدمه ضمن كتاب شهير ومعروف بالاسم نفسه «الشرق الأوسط الجديد» والذي صدرت ترجمته العربية عام 1994.

حيث يعترف فيه مجبراً بأن الحروب التي خاضتها إسرائيل.. وهي ست حروب ـ لم تستطع أن تضمن لها النصر النهائي أو حتى الأمن، وبأن الانتفاضة الفلسطينية كانت الذخيرة الحية والنضال الحاد الذي أكد فشل الأمر الواقع الذي صمم لغرض فرض نظرية الأمن الإسرائيلية»!

وعليه، وحتى لا تبتهج رايس بانجازها المشوه، نؤكد لها، بأن ما أعلنته على الدنيا نيابة عن صهاينة البيت الأبيض من أن ما يجري في لبنان وفلسطين ليس سوى المخاض الضروري للولادة المباركة، ولادة الشرق الأوسط الجديد والمختلف، هذا الشرق الأوسط الجديد الذي يشبه السلعة المعاد تصنيعها ليس أكثر، وهي سلعة لم يستطع صاحبها ـ شمعون بيريز ـ أن يسوقها في العالم العربي بكل أدوات التسويق التي لديه.

فلا المؤتمرات الاقتصادية المكثفة، ولا اتفاقيات السلام، ولا مفاعل ديمونة النووي، ولا القمع الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ولا غسيل الأدمغة اليومي عبر وسائل الإعلام، ولا أفلام هوليوود، ولا الكتّاب المرتزقة في الإعلام العربي، كل ذلك لم يحقق حلم بيريز الذي ختم به الفصل الثاني من الكتاب حيث يقول «أما الحل الذي يقود إلى كسر دائرة الشر هذه فهو واضح ويكمن في سحق حواجز الكره، والحقد ورفع شعار لا حروب بعد اليوم ولا سفك دماء»!

وللتذكير فقط فبعد أقل من عامين من صدور كتابه هذا باللغة العربية، وعلى الرغم من كل العبارات المعسولة المسمومة حول السلام وبحور العسل والرخاء والأموال التي ستتدفق على العرب بعد إقرار السلام مع إسرائيل»، ارتكب بيريز مجزرة قانا ضمن ما عرف بسنوات عناقيد الغضب عام 1996!!

مشروع الشرق الأوسط الجديد والمختلف لا يختلف عن مشروع دمقرطة العالم العربي، بل هما وجهان لعملة واحدة. فالشرق الأوسط الذي تأسس بخرائطه الحالية وترسيماته الراهنة بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد اتفاقية سايكس بيكو المعروفة انتهت صلاحيته على ما يبدو، ويجب استبداله بنسخة أخرى بعد حرب الإرهاب العالمية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب كله، هناك إذن شرق أوسط آخر، ديمقراطي برعاية أميركية، جديد ومختلف بتعهدات إسرائيلية، مليء بالخيرات والأمان والاستثمارات والفرص السياحية اللامتناهية وذلك بتعهد دولي.

لكن يبقى السؤال الحقيقي والجاد: هل العالم العربي بتكوينه الحضاري المعروف، وجذوره العميقة في الدين والتاريخ والهوية، بشخصيته المختلفة عن الشخصية اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، والألمانية بعد سحق هتلر وهزيمة المشروع التوسعي لديه، هل يمكن لهذا العالم العربي ان يعبر بسلام للمشروع الأميركي الصهيوني على أنقاضه، وعلى أشلاء العراق وفلسطين ولبنان و....؟

sultan@dmi.gov.ae