هل حقق اليهود أحلام أرض الميعاد؟ هل وجد اليهود الذين ولدوا ما بين روسيا وأوروبا وشمال افريقيا والجزيرة العربية الجنة المفقودة على أرض فلسطين؟

لقد أضاع اليهود جيلا كاملا (بافتراض أن اليهود الذين ولدوا على أرض (إسرائيل) عام 1948 أصبحت أعمارهم 58 سنة)، وهناك أجيال أخرى بعدهم ستأتي وهم يحاولون أن يشعروا بطعم السلم والسلام والأمن الذين تركوا كل شيء وجاءوا للبحث عنه في هذه الرقعة من الأرض.

وحتى هذه اللحظة ما زالت دولتهم تعيش جهنم مستعرة من الحروب المتتابعة والقتل والدمار والاغتيالات والاحتلال وإقامة المستوطنات والجدران الخرسانية والانتفاضة بعد الانتفاضة والمقاومة والحجر والعمليات الاستشهادية الدامية التي طالت معظم مدنهم الرئيسية، والاختطاف بعد الاختطاف لجنودهم الذين زج بهم في المعارك دون أن يحق لهم السؤال عن الذي أتى بهم إلى هنا والصواريخ التي أصبحت تتساقط على رؤوسهم كالمطر والهروب ليلا للاختباء في الملاجئ والرعب الذي بدا على وجوه الأطفال والنساء ودموع الخوف والقهر واليأس والانجرار خلف حدود دولتهم لتأمين حدودهم.

واليوم تنشر معظم الصحف العالمية ليس فقط أخبار التهور الإسرائيلي في المنطقة لتقع بين فكي غزة وجنوب لبنان ولكن أيضا الدمار الذي لحق بالاقتصاد الإسرائيلي في العمق والذي يحاول المسؤولون الإسرائيليون كتمه عن الرأي العام الداخلي والخارجي لتبدو إسرائيل وكأنها تقف على قدميها بثبات. بينما للحقيقة وجه آخر مختلف تماما. وهي سياسة واستراتيجية قامت عليها الدولة العبرية منذ تأسيسها. فإسرائيل دولة مهما بلغت قوتها العسكرية فإنها قائمة على أرض محدودة المساحة وبالتالي محدودة المصادر. وهي قائمة بنسبة 80% على الدعم الخارجي وعلى الأيدي العاملة الفلسطينية.

وحسبما ذكرت بعض التقارير الاقتصادية العالمية فإن مؤشر سوق تل أبيب المالي قد انخفض بنسبة تتراوح ما بين 8 - 13% مع إطلاق حزب الله لأول صاروخ موجه على مدن إسرائيل. وانخفض سعر صرف الشيكل بنسبة 06 ,0%... ناهيك عن الخسارة الكبرى بسبب إغلاق ميناء حيفا ما يعني إغلاق أهم الموانئ الإسرائيلية أمام حركة الاستيراد والتصدير وحركة الملاحة.

غير أن الخسارة الأشد تكمن في كسر ظهر السياحة الآتية من الخارج. فمعظم السائحين الذين يزورون إسرائيل يأتون إليها من دول أوروبا وأميركا لزيارة الأماكن الدينية المقدسة فيها وعلى رأسها كنيسة القيامة والمسجد الأقصى.

وأن الأوروبيين أكثر الناس خوفا على حياتهم. وأن الأحداث التي هزت الكيان باختطاف الجندي الإسرائيلي في غزة وما تبعه من عمليات عسكرية عشوائية، وما تلاه من اختطاف الجنديين الإسرائيليين في جنوب لبنان وما أدى إليه من (الحرب المفتوحة) التي وضعت إسرائيل وحزب الله وجها لوجه على أرض لبنان، إضافة إلى الصور التي تبثها الفضائيات العالمية على مدار الساعة للوجه المرعب لتلك الحرب، جعل الأوروبيين تنتفض فرائصهم ويولون الأدبار، خاصة عندما هدد أمين عام حزب الله حسن نصر الله بأنها حرب دون حدود وأنه لن يتوانى عن ضرب حتى تل أبيب إذا اضطر إلى ذلك.

إن اقتصاد إسرائيل قائم على السوق المحلي وبعض التصدير الخارجي. ولم تستطع إسرائيل حتى الآن أن تخترق السوق العربية إلا في حدود بسيطة لا تشكل أي أهمية تذكر. وحروبها الأخيرة تجعل الاعتراف بها من قبل الدول العربية أمرا موقوفا. وبالتالي فإن أي تبادل اقتصادي مع تلك الدول أصبح غير وارد قبل الحل السلمي النهائي للقضية التي شغلت العالم بأسره. وإسرائيل تدرك جيدا مدى أهمية السوق العربية لتعزيز اقتصادها الداخلي. خاصة وأن السوق العربية استهلاكية أكثر منها منتجة.

باختصار، فإن حال الاقتصاد الإسرائيلي مهزوز بشكل عام، وبالخصوص في الآونة الأخيرة. والدول التي تقوم على اقتصاد بمثل هذه الحال، فإن أي حرب تجر إليها أو تشنها ولو كانت محدودة تعني أنها تقضي على نفسها من خلالها. وإذا فشل العرب في حروبهم العسكرية ضد إسرائيل، فإن جرهم لها إلى التورط في حروب صغيرة محدودة وانشغالات كتلك التي تحدث اليوم في غزة وفي لبنان وبالعمليات الاستشهادية في قلب إسرائيل أو حتى بالانتفاضة الداخلية، كفيل بأن يدمر الاقتصاد الإسرائيلي مع مرور الوقت أيا كانت المساعدات الخارجية التي تقدم إليها.

إن إسرائيل دولة قوية عسكريا، وتملك أقوى ترسانة عسكرية في الشرق الأوسط. إلا انها دولة ضعيفة من حيث الموارد الطبيعية والبشرية. فهي على سبيل المثال قلقة منذ زمن طويل بمسألة توفير مصادر المياه والطاقة، وتعتمد بشكل أساسي على تحلية المياه. ولو أن صاروخا سقط خطأ على احد مصانع تكرير المياه لتوقفت الحياة في إسرائيل هلعا قبل أن يكون حقيقة.

إسرائيل تعيش حالة نفسية هستيرية منهارة يصعب تصورها وتخيلها. والفرد الإسرائيلي (الذي يعيش في عزلة عن جيرانه من الدول التي يعتقد أنها تكن له الكره والعداء وتتحين الفرص للانقضاض عليه) ولد مع الخوف والحزن والوحدة والإحساس بأنه مشرد طوال التاريخ البشري. فهو يقرأ تاريخا مليئا بالأحزان والمصائب والهلوكوست والتشتت، وهو تاريخ يغرس في نفسه الشعور بأنه إنسان مغضوب عليه من الرب، وأن اللعنة تلاحقه منذ عصور بابل وفرعون وهتلر حيثما حل وأينما وجد حتى وهو على أرض الميعاد التي وعد بها.

وأن أي انفجار لاسطوانة غاز قد يتهيأ له أنه صاروخ من حزب الله قد سقط على رأسه وأن أي حادث مروري أمام بيته قد يتخيله عمليه استشهادية دامية. والمبكي في الأمر أن الحكومات الإسرائيلية على تعاقبها منذ قيام دولتهم عززت لدى الفرد الإسرائيلي هذه العقدة النفسية وأصلتها لديه.

فبدلا من التنازل وبناء جسور للسلام مع الدول المحيطة بها واستغلال فرصة السوق الاستهلاكية المشرعة لها من كل الجهات، تقوم بدلا من ذلك وبين حين وآخر وفي اللحظة الأخيرة بهدم كل الطرق المؤدية إليه، بل وإيجاد أعداء جدد كإيران واندونيسيا مثلا. وكأنه فعلا هناك لعنة حلت على هذا الشعب.

لا أحد ينكر أن الشعوب العربية في الجهة المقابلة قد خسرت الكثير مع قيام دولة إسرائيل على حدودها. فشردت أهل فلسطين وتمعنت في قتلهم وإبادتهم واحتلال أراضيهم ومساكنهم ومزارعهم والتآمر عليهم. وأن لبنان اليوم وللمرة الثانية يرى بنيته التحتية قد هدمت واقتصاده منهاراً تماما وشعبه مشرداً بسبب وجود دولة إسرائيل على حدوده. إلا ان الدول العربية برغم ضعفها المؤقت تظل تشكل فيما بينها مجتمعة ما يشبه الإمبراطورية العظيمة الممتدة جغرافيا من المحيط إلى الخليج، وتملك من الموارد الطبيعية والبشرية ما يكفل لها أن تعيد بناء نفسها بين ليلة وضحاها. وبعكس الدولة العبرية تماما.

فإن ما يجمعها من اللغة والدين والتقاليد يفوق ما يجمع بين سكان إسرائيل المنقسمين بين فئات مختلفة من جنسيات مختلفة وألوان متعددة رغم قلتهم. (وهذه أيضا واحدة من مآسي الشعب اليهودي في إسرائيل الذي يعاني من عنصرية الأصل والمولد).

إن المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها اليهود على أرض فلسطين المحتلة غير واردة حاليا في أحلامهم. وقد نجح حزب الله في جنوب لبنان في جره إلى نقطة اللاعودة في الابتعاد عن تحقيق هذا الحلم وفي توسيع الهوة بين العرب وإسرائيل وفي ترويع الشعب اليهودي. فإسرائيل ليست في مأمن من جيرانها.

وتعلمت إسرائيل (وهذا ما لم تحاول أن تعتبر به) أن قتل أحد قادة المقاومة سواء في فلسطين أو لبنان لم ولن يغير في الموقف شيئا. وأن عرب المقاومة (وليس عرب المساومة) تعلموا كيف يمهدون الطريق لمن يخلفهم من بعدهم.

أي أن الشوكة التي تضرب في خاصرة الدولة العبرية لا يمكن انتزاعها، وأن أمام إسرائيل مئات السنين ربما لكي تحقق جزءا من حلم أرض الميعاد، هذا إذا لم تقم القيامة قبل ذلك.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com