الحرب على لبنان دخلت أسبوعها الثاني، وما زال البعض يتساءل عما اذا كان ما يجري سيؤدي الى نشوب الحرب العربية الإسرائيلية السادسة، وكأن وقائع العدوان والرد عليه منذ الاربعاء قبل الماضي ليست حربا بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى وابعاد.
الكل يعترف بان عملية «الوعد الصادق» التي نفذها مقاتلو حزب الله صباح الثاني عشر من يوليو الجاري وأدت إلى اسر جنديين إسرائيليين وقتل وجرح عدد آخر، لم تكن سوى الذريعه او عود الثقاب الذي أشعل حرباً ضروسا استخدم فيها الطرفان، إسرائيل من ناحية وحزب الله من الناحية الأخرى، ما بحوزتهما من سلاح وعتاد فضلا عن ان البعد الجغرافي شمل كل الأراضي اللبنانية وكل شمال إسرائيل حتى عمق يصل الى العاصمة تل أبيب التي اضطر سكانها للاختباء في الملاجئ.
إسرائيل تستهدف من وراء حربها على لبنان احتلاله بدون جنود ودبابات، وبحيث تجري اعادة صياغته بما يخرجه من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي، وبما يضمن لإسرائيل أمنها ومصالحها وحريتها في القضاء على القضية الفلسطينية واغلاق ملف الصراع بما يخدم الاستراتيجيات الاسرائيلية تجاه المنطقة بأكملها.
القوى الدولية والاقليمية تدرك تماما ابعاد هذه الحرب، ولذلك كان من الطبيعي ان تجري عملية فرز تقف فيها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية إلى جانب إسرائيل من خلال منحها الغطاء السياسي اللازم والحماية والوقت المطلوب لانجاز مهماتها وأهدافها، وعلى خط آخر مواز للمواقف الدولية الواضحة في عدائها لحزب الله ودعمها لاسرائيل انقسم العرب الرسميون بين من يرفع الغطاء السياسي العربي عن حزب الله ويحمله مسؤولية مغامرته وبين من يقف عند حدود إدانة العدوان والتلطي خلف شعارات فارغه المضمون ولا تحرك ساكنا.
في المقابل فان حزب الله وعلى لسان امينه العام حسن نصر الله في رسالته المتلفزة يوم الاحد الماضي السادس عشر من يوليو الجاري، أوضح انه يملك استراتيجية واهدافا تتجاوز ميدان الصراع الدامي الى اعتبار الحزب رأس حربة المقاومة العربية والاسلامية لاعادة صياغه المنطقة على نحو يحقق النصر على محاولات الولايات المتحدة واسرائيل لاخضاع واذلال العرب والمسلمين.
إذا فالحرب التي انفجرت بدون ضوابط او خطوط حمراء ليست حربا بين اسرائيل وحزب الله ولا هي محدودة الاهداف والابعاد فالشروط التي تطرحها اسرائيل لوقف العدوان ليست اجرائية او عملياتية محدودة الأثر.
في هذه الحرب من غير المتوقع ان تصل الامور الى حد منتصر ومهزوم او طرف يفرض شروطه والآخر يقبل بها او يستسلم لها، فإذا كانت إسرائيل تملك ترسانة عسكرية هائلة ومدمرة قادرة على حصار لبنان باكمله وتدمير كامل بنيته التحتية ومنشآته والكثير من البيوت والمقرات، وقتل وجرح المئات من المدنيين ومواصلة اسقاط آلاف الأطنان من وسائل القتل والتدمير على رؤوس اللبنانيين، فان حزب الله قد حقق قدرا معقولا من الردع وامتلك تجربة وبنية تنظيمية وإدارية وحضورا شعبيا مكنه من جعل المجتمع الاسرائيلي وليس الجيش فقط والمدن والقرى والمستوطنات الاسرائيلية يعيشون حالة حرب حقيقية لم يعرفوها من قبل.
العرب الرسميون القوا بالمسؤولية والعبء عن ظهورهم بترحيل القضية برمتها الى الامم المتحدة ومجلس الامن الذي يعرف وزراء الخارجية الذين اجتمعوا في مقر الجامعه العربية بعد ثلاثة ايام من الحرب.
انه أي مجلس الامن لن يفعل شيئا خصوصا وان الاعتراض الأميركي يقف بالمرصاد، لمنع أي قرار يدين العدوان الاسرائيلي او يؤدي الى وقفه قبل ان ''تحقق'' إسرائيل أهدافها من ورائه.
أما قمة الثمانية الكبار الذين اجتمعوا في المدينة الروسية العريقة بطرسبورغ الاحد الماضي فتبنت بموافقة الجميع موقفا ومبادرة تتطابق تماما مع المطالب والشروط الإسرائيلية، ولذلك كان من الطبيعي ان تعلن الحكومة الاسرائيلية موافقتها عليها وان ترى في نتائج تلك القمة حاضنة لمواقفها وسياساتها واستمرارا للبيئة الدولية المناسبة.
موقف الثمانية الكبار ومعظم الوسطاء الآخرين الذين ينطلقون من مبدأ حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وتحميل حزب الله المسؤولية، كل ذلك ليس من شأنه ان يؤدي الى التوصل لاتفاق ينهي هذه الحرب، بل لاحظنا عمليا انه يشجع اسرائيل على مواصلة وتكثيف وتوسيع عدوانها.
مبادرة الثمانية الكبار وما يدور في فلكها او يردد بمصطلحات أخرى مضامينها اقرب الى الحمل الكاذب، فهي لا تصلح منطلقا لمعالجة أزمة من مستوى الحرب الدائرة بأهدافها المتقابلة ذلك انها تطالب حزب الله وحركة حماس بالإفراج بدون شروط عن الجنود الثلاثة الاسرى لديهما واعادتهم سالمين الى اسرائيل والتوقف كليا عن إطلاق الصواريخ والنيران، مقابل ذلك وبعد ذلك وليس ترافقا معه تقوم اسرائيل بوقف العدوان والانسحاب من المناطق في قطاع غزة التي عادت قوات الاحتلال لها مؤخرا والافراج عن ثمانية وزراء فلسطينيين ونحو عشرين نائبا من اعضاء المجلس التشريعي قامت اسرائيل باختطافهم.
في أحسن الاحوال فان مثل هذه المبادرات تعني معاقبة ومحاسبة حزب الله وحماس على ما اقدما عليه وجعلهما يدفعان ثمناً باهظاً جداً جداً، وإرغام حزب الله على قبول تنفيذ الهدف الاسرائيلي بابعاده وسحب سلاحه وتقزيمه وتحجيم دوره وفاعليته من خلال قوة المراقبين الدوليين الذين أبدت قمة الثمانية استعدادها لنشرهم في الجنوب اللبناني تحت ذريعه تمكين الحكومة اللبنانية من بسط سيطرتها على الوضع.
هكذا وفي حال القبول بمثل هذه المبادرة يكون حزب الله وتكون حركة حماس قد رفعا الرايات البيضاء عالياً ويتحملان مسؤولية مغامرة باهظة التكاليف يستحقان عليها ان يغادرا كل منطقهما واهدافهما وان يرحلا عن ساحة الفعل السياسي، بل وان يدفعا للجماهير من رصيدهما ثمن مثل هذه ''المغامرات المدمرة''.
من الطبيعي اذا ان نتوقع رفضا من حماس وحزب الله لمثل هذه المبادرات والأفكار، وان تفشل الوساطات التي تتبناها وتقوم عليها حتى لو جرى اعتبارها مبتدأً لمفاوضات يتم خلالها تقديم وعود نظرية بدون ضمانات حقيقية بالافراج عن عدد قليل او كبير من الاسرى العرب والفلسطينين في سجون الاحتلال، فالثمن الذي يقدمه لبنان ويقدمه الفلسطينيون جراء العدوان الاسرائيلي من شأنه ان يضيف شروطا اخرى على الشروط التي طرحت قبل العدوان، وفي هذه الحالة علينا ان نتوقع تكثيف وتوسيع نطاق الاعتداءات الإسرائيلية، وأيضا ينتظران ان تدفع اسرائيل ثمن عدوانها كما لم تفعل من قبل.
المعادلة القائمة دخلت منعطفا صعبا ومعقدا جدا فاذا كانت اسرائيل تشكو من صداع مزمن اسمه المقاومة الاسلامية اللبنانية والفلسطينية فان واقع حال هذه المقاومة كأنه يردد قول الشاعر الكبير جرير (وسيفي كان في الهيجا طبيبا يداوي رأس من يشكو الصداعا).
ومن الواضح انه كلما اتسع نطاق العدوان والحرب كلما تقلصت فرص اسرائيل في ادعاء تحقيق النصر ذلك انه لم يبق لحزب الله ما يخشى عليه سوى وجوده وسمعته ودوره، بعد ان ادى العدوان الى تدمير شامل في لبنان، وكذلك الحال بالنسبة لحماس في غزة.
كاتب فلسطيني