قصف الجيش الإسرائيلي بعدوانه على لبنان الجسور والمطارات المدنية والعسكرية والطرق الرئيسية والفرعية ومراكز حزب الله أينما وجدت ومنازل قادته، وعزل قرى ومدن جنوب لبنان بعضها عن البعض الآخر، كما عزل جنوب لبنان كله عن العاصمة،

واستهدف إغلاق طريق دمشق بيروت أمام اللبنانيين وغير اللبنانيين وأمام المساعدات الغذائية والصحية الخارجية إضافة لحصار لبنان جواً وبحراً حصاراً شبه كامل، وأخلى قرى الجنوب من سكانها وهو يحاول إرجاع قوات حزب الله إلى ما وراء الليطاني وإيجاد عازل بينه وبين الحدود مع إسرائيل، وحماية مستعمراتها الشمالية وجيشها من مدى نيران أسلحة حزب الله.

على الجانب السياسي الدولي بادرت مجموعة الثماني الكبار التي اجتمعت في سان بطرسبرغ في روسيا، إلى تقديم مقترحات لا تختلف في الواقع كثيراً عن المطالب الإسرائيلية وذلك بضغط من الرئيس بوش، رأت فيها أن الأولوية الأكثر إلحاحاً هي توفير الشروط لوقف دائم لأعمال العنف (وليس الوقف الفوري لإطلاق النار) ويتسنى ذلك بحسب مجموعة الثماني بعودة الجنود الأسرى سالمين من غزة ولبنان ونشر الجيش اللبناني في الجنوب ونزع سلاح الميليشيات أي بصريح العبارة إرجاع قوات حزب الله إلى الخلف وإبعاده عن الحدود وشل حركته تجاه مناوشة القوات الإسرائيلية مستقبلاً وتحويله إلى قضية داخلية صرفة وتجاهل الأسرى اللبنانيين والأراضي اللبنانية المحتلة.

وعلى الجانب الإسرائيلي ألقى إيهود أولمرت رئيس الوزراء كلمة متطرفة صلفة لا تنبئ بأية رغبة في الوصول لتسوية لأنها مملوءة بشروط الإذعان وهي في الحقيقة إملاء إرادة على حزب الله واللبنانيين والعرب جميعاً أكثر منها بحثا عن حل وقد تضمنت مما تضمنته المطالبة بنزع سلاح حزب الله وتسليم الأسرى فوراً ودون شروط ونشر الجيش اللبناني على الحدود وتطبيق القرار 1559 بالقوة وعدم التطرق إلى غير ذلك.

وهكذا يتضح أمامنا مشروعان للحل! أحدهما هو مشروع مجموعة الثماني الذي يقضي في حده الأدنى بانتشار الجيش اللبناني على الخط الأزرق وإعادة قوات حزب الله إلى ما وراء الليطاني وإعادة الأسيرين إلى إسرائيل وإرسال قوات دولية (وربما أطلسية) إلى الحدود على التوازي مع الجيش اللبناني دون أن يتعرض للأسرى اللبنانيين ولا إلى احتلال مزارع شبعا وهي أرض لبنانية مازالت محتلة ودون أن يأخذ الواقع اللبناني الداخلي وحساسياته بعين الاعتبار. وثانيهما المشروع الإسرائيلي ووراءه الولايات المتحدة الذي لا يختلف عن مشروع الثماني نوعياً باستثناء رفضه تواجد قوات دولية وتطبيق القرار 1559 بالقوة.

وعلى حزب الله والدولة اللبنانية والعرب اختيار واحد من المشروعين اللذين يتباريان في أيهما الأسوأ بالنسبة للجانب العربي. رغم العدوان الإسرائيلي المدمر والدعم الدولي الذي يرعاه، فإن كل الشواهد تشير إلى أن إسرائيل في أزمة تطل برأسها من خلال بقاء نصف مليون من سكانها في الملاجئ معظم اليوم وهم لم يعتادوا على ذلك، والخشية من قصف منشآت حيوية صناعية وكيماوية في حيفا وغير حيفا، وتحمل الخسائر الاقتصادية التي تجاوزت المليارات حتى الآن، ثم لنتذكر أن حزب الله هدد بالتصعيد مقابل التصعيد وهو قادر على ذلك، وهي المرة الأولى التي تواجه فيها إسرائيل هذا الموقف.

وفي الوقت نفسه فإن حزب الله في أزمة أيضاً، سواء نتيجة تدمير العدو البنية التحتية اللبنانية أم إفراغ الجنوب من سكانه أم مواجهة الموقف الدولي المنحاز والمنافق والعدواني، في الوقت الذي تعني فيه إعادته إلى الوراء مقدمات لنزع سلاحه وتجريده من قوته الخارجية والداخلية وفتح باب الخلافات الداخلية اللبنانية على مصاريعها، وإن خسر الحزب معركته مع إسرائيل فستتبعها خسارة نفوذه اللبناني الداخلي وتاريخه المجيد في مقاومة المحتل وسيتسبب بخيبة أمل لدى الشعب العربي من محيطه إلى خليجه،

وبالتالي فليس أمامه سوى الربح في المعركة أو في أية تسوية مقبلة، أو على الأقل الوصول إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب، وهذا ما ينبئ بأنه سوف يستخدم إمكانياته العسكرية كلها، وليس أمامه إلا أن يستخدم هذه الإمكانيات فلن يعود لديه شيء يخسره لو قبل شروط الإذعان هذه.

صرح الأمين العام لحزب الله في الساعات الأولى لأسر الجنديين أن الحزب عندما قام بعملية الأسر لم يكن يهدف لفتح المعركة وأنه لا يهدف إلى التصعيد، ونادى بتبادل الأسرى بالتفاوض غير المباشر دون الدخول في مواجهات عسكرية وربما لم يتوقع الحزب هذا الرد الإسرائيلي العنيف وتلك العربدة الغاشمة رغم استعداده لها، ولكن يبدو أيضاً أن إسرائيل كانت قد قررت عمليتها قبل زمن وهيأت لها الإمكانيات العسكرية واللوجستية، وحددت أهدافها وأساليبها، ولذلك سرعان ما باشرت تنفيذها بعد ساعات من عملية الأسر وكأنها كانت تنتظر مثل هذا الحدث لتنفذ خطتها.

لقد راهن حزب الله على موقف عربي رسمي وشعبي قادر على لجم العربدة الإسرائيلية وتخفيف الضغوط الدولية وعرقلة صدور قرارات من الهيئات الدولية. ولكن الموقف العربي لم يكن موحداً والموقف اللبناني أيضاً وهذا ربما لم يحسب الحزب حسابه، بل وفوق هذا كله اتهم بأنه رأس حربة لقوى إقليمية لها مواقفها وسياساتها الخاصة، ووجه إليه اللوم لانفراده بقرار تقع تبعاته على الشعب اللبناني كله، لأن إعلان الحرب وإقرار السلم هما من عمل السيادة.

إن الوضع الداخلي لحزب الله وعلاقته بالقوى اللبنانية الأخرى وأيديولوجيته وسياسته تجاه مبدأ المقاومة وانتصاراته التاريخية على إسرائيل لا يسمح له بالتراجع أو بقبول شروط الإذعان الإسرائيلية والدولية وهو مازال يراهن على أن المعركة الحالية ستؤدي إلى تغيير قواعد الصراع لصالحه أو على الأقل تحقق توازن الرعب مع إسرائيل لأول مرة،

كما أن وضع حكومة إيهود أولمرت وظروفها الداخلية وتراجع ثقة الإسرائيليين بقدرة جيشهم والتأييد الدولي للسياسة الإسرائيلية لا تسمح لها بالتراجع ويشجعها على ذلك الموقف الدولي الممالئ لها والدعم الأميركي غير المحدود الذي عبرت عنه الإدارة الأميركية أكثر من مرة بلسان رئيسها ووزيرة خارجيتها (لإسرائيل الحق بالدفاع عن نفسها). إذا كان موقف كل من الطرفين هكذا فيبدو أنهما أمام معركة تكسير العظام وأنه من الصعب الوصول إلى تسوية في القريب العاجل، وقد أصبحت فعلاً معركة عض الأصابع التي تتوقف نتائجها على من يصرخ أولاً.

كاتب سوري