ما جلس عربيان معاً، إلا وكانت مرارة الهزيمة ثالثهما، تلك حقيقة لا تحتاج إلى إثبات، خصوصاً في هذه اللحظات المؤلمة التي تعيشها الأمة العربية، اللهم إلا من بضع لحظات أشبه بوميض البرق، عندما تتصدى المقاومة، خصوصاً في فلسطين أو جنوب لبنان بأجسادها العارية لآلة الحرب الجهنمية الإسرائيلية التي حصلت على تصريح علني بالقتل من أقوى دولة في العالم .

كثيرون منا يسألون طوال الوقت أين الرأي العام العربي أو أين هو الشارع العربي، ألا تهزه الإبادة الجماعية التي تمارس علناً بحق أشقاء في فلسطين أو لبنان؟ ومتى يتحرك هذا الشارع بجدية؟

هذه الأسئلة وغيرها نظل نكررها على أنفسنا في كل مرة نرى فيها العربدة الإسرائيلية والأميركية في بلداننا، تنتهي الأزمة بصورة أو بأخرى، ثم ننسى كل شيء، ونعود إلى حياتنا الرتيبة، نستمع إلى الأغاني التافهة، ونشاهد مباريات الكرة العربية المهزومة هي الأخرى، وكأن شيئاً لم يكن، ثم تأتي كارثة أخرى في فلسطين أو لبنان أو العراق أو السودان أو الصومال أو أي بقعة عربية، ثم نعود لنلوك الأسئلة نفسها.

المشكلة في هذا السؤال الجوهري أن أياً منا لم يحاول الإجابة عليه بصدق وموضوعية، لأننا ببساطة لا نريد أن نواجه الحقيقة بصورة جادة، لا نشخص المرض كما هو، وبالتالي تتكرر الأعراض، ويزداد المرض استفحالاً، والنهاية الطبيعة معروفة للجميع.

الحقيقة بمنتهى الوضوح هي أنه لا يوجد ما يسمى بالرأي العام العربي أو الشارع العربي، قد يجادل البعض في ذلك، وله كل الحق، لكن تلك هي الحقيقة ولا شيء غيرها حتى إشعار آخر. الصورة بالتفصيل لمن يريد أن يعرفها ان معظم حكوماتنا قررت الاستقالة منذ زمن بعيد من دورها ومسؤولياتها تجاه شعوبها، وسلمت زمام أمرها للخارج حفاظاً على «الكراسي التي شاخت»، ولتأمين ذلك أخذت شعوبها رهائن تارة بالقمع وتارة بالخبز والنتيجة هي أن هذه الشعوب أصبحت في قفص الحكومات.

جزء من هذه الشعوب قليل جداً يشعر بالقهر وهو يرى الهزيمة أمام عينيه كل لحظة، يتظاهر، يهتف، يسب ويلعن، يكتب، يتكلم. وينتهي كل شيء، لأن قمع الحكومات لا حد له، ولأن نفس هذه الهبات الجماهيرية قصير جداً، وهكذا ينتهي كل شيء.

قبل سنوات كانت حكومات المنطقة تخيف أميركا والغرب بأن تدخلها في المنطقة أكثر من اللازم سوف يثير ثائرة الشعوب، وسيقلب الدنيا رأساً على عقب.. الغرب خاف فعلاً لسنوات طويلة من هذا البعبع الخفي، لكنه وبعد 11 سبتمبر جربت الولايات المتحدة غزو أفغانستان، ولم يتحرك الرأي العام الإسلامي، ثم احتلت العراق بالكامل ظلماً وعدواناً، وكانت النتيجة أن الشارع العراقي في التحليل الأخير لم يثر كاملاً ضد المحتل الأجنبي، لكنه ثار ضد نفسه، ونرى الآن ما يحدث من قتال طائفي أدى إلى مقتل 6000 عراقي بريء في شهرين فقط مقابل مقتل أقل من عشرين جندياً للاحتلال.

إسرائيل بدورها لا تعبأ بالرأي العام العربي.. تقتل كل يوم الأطفال في غزة والضفة، تدمر البيوت، تخطف نواباً ووزراء منتخبين، والرأي العام العربي لا يفعل شيئاً. ثم استدارت شمالاً لتحرق كل لبنان.. البشر والحجر، المنشآت والأشجار، والرأي العام العربي يكتفي بالجلوس أمام فضائية الجزيرة انتظاراً لمعجزة توقف العدوان، أو رهاناً خاسراً على مجتمع دولي قرر منذ لحظات العدوان الأولى المشاركة فيه بالصمت حيناً والتأييد أحياناً.

إذن الموضوع ببساطة انه لو كانت الولايات المتحدة تدرك حقيقة وجود رأي عام عربي يستطيع قلب المعادلة لما تجرأت على غزو العراق، وما تجرأت على الانحياز السافر والأعمى لإسرائيل. في الماضي كانت كل الحكومات العربية تخفي مهانتها تحت ستار بيانات لفظية مؤيدة للمقاومة في العلن ومنحازة إلى العدو في السر، الآن حتى هذه المعادلة اختلت وتغيرت..

عندما أدركت هذه الحكومات أيضاً أن «رأيها العام» لا حول له ولا قوة، فقررت أن تجهر بموقفها علناً. وهكذا رأينا للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الصهيوني حكومات عربية تطعن المقاومة في بداية المعركة. إذن، وعندما تتغير هذه المعادلة وتدرك أي حكومة عربية أن الرأي العام سوف يحاسبها على أفعالها، فلن تتجرأ على تأييد العدوان ضد أراضيها وشعوبها.. وبالتالي سيدرك أي محتل أن ثمن عدوانه سيكون فادحاً.

على المقاومين والشرفاء في أي بقعة عربية عدم المراهنة حتى إشعار آخر على ما يسمى بالرأي العام.. فهو غير موجود، وإلى أن يحدث ذلك ويصبح موجوداً فالبقاء لله في هذا الرأي العام الذي مات عندما ذهب السادات إلى القدس عام 1977 وشبع موتا باجتياح لبنان عام 1982 ، ثم تم دفنه باحتلال بغداد في أبريل 2003.

emadiraqi@yahoo.com