لدينا مع المعنيين والمتابعين تركة ثرية تؤكد انتهاكات الصهيونية، الحركة ثم الحركة والدولة، لشرائع السماء والأرض بشأن حقوق الإنسان والشعوب وأحكام العلاقات بين الناس فرادى وجماعات ودولا في زمني السلم والحرب. لفرط هذه الانتهاكات وغلوها وفجاجتها غير المسبوقة، قياسا حتى بممارسات القوى الاستعمارية القرينة، ذهب بعض فقهاء القانون وشراحه العدول إلى وصف إسرائيل بـ «الدولة العاصية». ومنذ عامين لاحظ 28 في المئة من سواد الأوروبيين أن هذه الدولة هي الأخطر على السلم والأمن الدوليين!

إلى هذه الشهادات المخجلة بحق سجل إسرائيل الحقوقي، الصادرة عن دوائر مختصة ورأي عام لا يمكن وصفه بالانحياز للفلسطينيين أو العرب والمسلمين، فان أية عملية إحصائية ذات صلة يمكنها إثبات أن إسرائيل هي اقل دول العالم انصياعا للقرارات الدولية وأكثرها خروجا على مألوف سلوك الأمم المتحضرة. ذلك على الرغم من أنها تكاد تكون من نوادر الدول التي نشأت بجهد التنظيم الدولي واستند وجودها من الأصل إلى قرار ولد بصعوبة عن الأمم المتحدة.

ولو كان الصهاينة ودولتهم ممن يحفظون الجميل، لكانت إسرائيل الأكثر مطواعية واستذلالا لهذه المؤسسة، الممثل الأول للشرعية الدولية، بل ولكانت قبل ذلك وبعده من الشاكرين للأوروبيين شعوبا وحكومات، الذين عكفوا على رعايتها منذ كانت فكرة هائمة تبحث عمن يتبناها إلى أن صارت دولة يافعة ترفع عقيرتها في وجوههم.

لجحود إسرائيل ونكرانها أيادي الأوربيين وأفضالهم عليها قصه طويلة، يعنينا الإشارة في هذا المقام إلى آخر مشاهدها وآياتها، فقد أرغى المسؤولون الإسرائيليون وأزبدوا ضد الحكومة السويسرية لمجرد إصدارها بيانا يصف سلوكهم ضد قطاع غزه في غمرة معالجتهم لأزمة الجندي الإسرائيلي الأسير، بأنه «غير قانوني وينتهك معاهدة جنيف بشأن معاملة المدنيين زمن الحرب وتحت الاحتلال، وذلك بإنزاله عقابا جماعيا يستهدف مرافقهم الحيوية كالكهرباء والمياه والجسور والوزارات الخدمية بالتقويض عن قصد...».

سويسرا بلد محايد، ولا مصلحة لحكومتها عند الشعب الفلسطيني،. ليس لدى الفلسطينيين ودائع بمليارات الدولارات في البنوك السويسرية يبيعون بها ويشترون مواقف جينيف. وهم ليسوا من أهل النفط حتى يسعهم الضغط على عصب الاقتصاد السويسري.. ومن السخرية عموما تصور أن لدى السياسة الفلسطينية أدوات تمكنها من خفض أو رفع مكانة سويسرا الدولية..

كل ما في الأمر أن استقواء إسرائيل وطغيانها وخرقها الدامغ وغير المبرر لأحكام الإنسانية الحقة والقوانين والأعراف الدولية، بلغ الحد الذي أثار حفيظة دولة تعد ذاتها من سدنة هذه الأحكام وحراسها، ما دفعها إلى قول كلمة حق في وجه دولة جائرة.. كلمة لا نحسب أنها خارجة عن سياق العمل بأضعف الإيمان، وربما لن يترتب عليها أي أضرار مادية ملموسة لمصالح إسرائيل في الجهات الأربع.

البيان السويسري وأمثاله يزيح عن جنيف وغيرها من العواصم عبئا أخلاقيا وقانونيا، كونه يذكر إسرائيل بواجباتها التعاقدية داخل الأسرة الدولية، لكنه يقينا لا ينذرها ولا يهددها بعقوبات رادعة هي جديرة بها. نفهم بالطبع أن تجريد سلوك أية دولة أو تعريته من الأبعاد الأخلاقية القانونية يفترض أن يقض مضاجع مسؤوليها بعد أن يلهب مشاعرهم بحمرة الخجل، لكن إسرائيل ليست من هذه الفئة. إنها وفقا للسوابق والخبرات امة وحدها في بلادة الأحاسيس والأنانية وادعاء التفوق وعدم الإصغاء لصوت الضمير. غير أن هذه النواقص جميعا تهون قياسا بوقاحة مسؤوليها وتبجحهم وجرأتهم على الحق بالباطل!

لقد كان بوسع هؤلاء أن يغضوا النظر عن الشهادة السويسرية باعتبارها فضفضة معنوية، وفي التحليل النهائي مداخلة كلامية عتابية من دولة صديقة لا أكثر ولا اقل. لاسيما وان هذه الشهادة سيطويها التجاهل والنسيان كما فعلا مع نماذج مماثلة لها من قبل. لكن عقدة التفوق والاستعلاء حتى على اللوم والمعاتبة، أبت على المسؤولين الإسرائيليين إلا مجابهة الحكومة السويسرية وسواها من الغاضبين بتفسيرات قضائية تستفز الحليم، من ذلك بلا حصر:

*انه لا يمكن اعتبار الجندي إياه أسير حرب، لأن الحرب لا تجري سوى بين الدول، وليس ثمة دولة فلسطينية. وفى ذلك تجاهل لكون الشرعية الدولية تعترف للمقاومين ذوي العلامات المميزة والتنظيمات المعروفة بحقوق المقاتلين، بل وتطلب من كل الدول المحبة للعدل والسلام مساعدتهم ضد الاحتلال.

*إن إسرائيل لن تفاوض حركة حماس «الإرهابية» ولا يمكنها إجراء تبادل لأسرى معها. وهذا يجافى تجربتها في التفاوض مع حزب الله، الإرهابي، بدوره في نظر الإسرائيليين على عملية تبادل مماثلة.

*إن مهاجمة المرافق المدنية هي للضغط على حماس وأخواتها من «المنظمات الإرهابية», وهذا تفسير إرهابي فج لعمل إجرامي يخالف أحكام جنيف الرابعة التي تمنع التعرض للمدنيين تحت أية ذريعة وقت الحرب، وكذا تضمن لهم الحماية تحت الاحتلال. كما أن السؤال هنا هو هل يعني هذا التصرف إطلاق يد المقاومة الفلسطينية في مباغتة أهداف إسرائيل المدنية ضغطا على حكومتها لإزالة احتلالها المديد لأراضي الغير ؟!

*إن إسرائيل من حقها الدفاع عن نفسها ضد هجمات «الإرهابيين الفلسطينيين». لكن ماذا عن حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم؟ ألا يشكل احتلال أرضهم واستباحة دمائهم حالة اعتداء مستمرة تستدعي منهم استخدام هذا الحق؟!

نحن ومن يعنيهم الأمر في جهات الدنيا بصدد نموذج تفسيري إسرائيلي لما يجري على ارض فلسطين بالغ الضحالة والتهافت والسخافة. هذا النموذج بكل عيوبه ورذائله قديم، عمره من عمر المشروع والدولة الصهيونية. وإحدى فضائل عملية «الوهم المتبدد» أنها أسهمت في تجليته واثبات حضوره الدائم. لقد منحتنا هذه العملية فرصة أخرى للإطلال على المنظور الإسرائيلي للعلاقات والقانون الدوليين. هذا المنظور الذي يحتاج المرء إلى كثير من ضبط النفس كي يتأمله وهو يضرب كفا بكف ويستعيذ بالله من شياطين الإنس.

كاتب وأكاديمي فلسطيني