الحرب في عصرنا الحاضر هي آخر الخيارات التي تلتقطها دولة متحضرة من فوق منضدة الخيارات المطروحة، كوسيلة لحل المشكلات بديلاً عن الأساليب السلمية الدبلوماسية والتحكيمية، لأن حروب العصر مدمرة أضعافاً مضاعفة مقارنة بحروب الماضي. إذ لم يعد المدنيون معزولين عن تداعياتها الخطيرة، خاصة حين تكون هذه الحرب نزالاً بين جيش مدجج بأحدث أنواع الأسلحة من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.

وبين قوة أخرى ليست جيشاً بالمعنى المتعارف عليه، يقاتل وفق عقيدة عسكرية معينة، وإنما قوات أقرب إلى الميليشيات ذات التسلح الناقص، وحين تصبح معاهدة جنيف التي تحدد مسؤولية المتحاربين إزاء حقوق المدنيين منسية.

تشير نتائج الاشتباك في المعارك العسكرية التقليدية بين الجيوش إلى أنها تتحمل خسائر متقاربة إذا تقاربت قوتها من حيث العدد وتقاربت كفاءاتها التكنولوجية و قدرات أجهزة مخابراتها و مصادر التمويل المتوافرة لديها لإدامة الحرب. إلا أن المعادلة تختل لصالح أحد منهم في حالات خاصة جداً، منها التفوق في العدد أو في المعدات العسكرية أو في القدرات المخابراتية أو في البعد التعبوي الذي قد يتحقق لأحد الأطراف من خلال التحالفات الإقليمية والدوليةً. فالطرف المتفوق عند ذاك يستطيع إلحاق الهزيمة بالطرف الآخر دون تقديم الكثير من الخسائر، إذ في هذه الحالة فإن قواعد اللعبة تكون قد تغيرت.

تسعى الجيوش في معاركها الحديثة إلى التقليل من الخسائر البشرية في صفوفها عن طريق أخذ المبادرة من الطرف الآخر واستخدام عامل المفاجأة والتفوق في السلاح واختيار وقت البدء بالمعركة وزج كثيف للقدرات خلال فترة قصيرة دون أن تهتم بما يتحمله الطرف الآخر من خسائر، فالحرب ليست مباراة رياضية تحكمها قواعد أخلاق اللعب النظيف. إن استخدام القوة المفرطة لتدمير الخصم هو تكتيك عسكري ميداني الغرض منه تحقيق أهداف عديدة أبرزها:

1. تقليل الخسائر في صفوف الطرف الذي يستعملها.

2. إيقاع الهزيمة بالطرف الآخر في وقت قياسي.

3. إصابة الطرف المعادي بخسائر جسيمة تعيق تحركه لفترة طويلة وربما تنهي موقفه المعادي إلى الأبد.

4. جعل المعركة عبرة للآخرين ينتفع منها الطرف المتفوق في الحوارات السياسية والدبلوماسية التي يجريها لاحقاً كوسيلة ضغط لتحقيق مآربه.

خطفت شدة المعارك الأخيرة في لبنان وحجم التدمير الذي يرافقها الكثير من الأضواء التي تُسلط عادة على الثمانية الكبار الذين عقدوا اجتماعاتهم هذا العام في سانت بطرسبورغ، إذ ان ما نشهده من أعمال عسكرية إسرائيلية في لبنان، منذ عدة أيام، يقع تحت مسمى استخدام القوة المفرطة غير المبررة، التي ليس لها ما يوازنها من الفعل، فهي رد فعل غير متوازن مع الفعل نفسه.

إذ لا يعقل أن يُقابل اختطاف جنديين إسرائيليين من قبل حزب الله، برد فعل كالذي نشهده من تدمير البنى التحتية للبنان، فهنالك آلاف الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين لدى إسرائيل تناسى المجتمع الدولي وجودهم، كما أن خبر قيام إسرائيل، قبل فترة وجيزة، باختطاف مجموعة من الوزراء والنواب المنتخبين ديمقراطياً في فلسطين، مر مرور الكرام.

ومما يزيد من دهشة من يتابع الأحداث أن الموقف الرسمي اللبناني ليس فيه ما يدلل على العداء لإسرائيل، بل في الحقيقة إن الحكومة اللبنانية في أشد الحيرة أمام المهام التي تنتظرها لمعالجة تداعيات هذه الحرب في ظل ضعف يدها وعدم قدرتها على فرض سلطتها على جميع الأراضي اللبنانية، كما أن حجم رد الفعل الإسرائيلي والتدمير الذي ألحقه بالاقتصاد اللبناني يضيف المزيد من الصعوبات أمام هذه الحكومة التي تواجه حرجاً شديداً أمام رأيها العام الذي تضاعفت كراهيته لإسرائيل.

ولعل مما يزيد الطين بلة أن أكبر قوة في العالم، الولايات المتحدة، لم تتحفظ على الرد الإسرائيلي المفرط في التدمير وإعتبرته دفاعاً مشروعاً عن النفس، وهو موقف يشجع إسرائيل على القيام بالمزيد من التدمير في الوقت الذي لا يوفر فرصاً معقولة لإنهاء القتال وحقن الدماء، في حين وقفت معظم الدول التي لا تكن لحزب الله أي ود في موقف من يوجه اللوم إلى إسرائيل لفظاظة وعدم توازن الرد.

إن عقيدة إسرائيل في جميع الحروب التي خاضتها تنطلق من استخدام القوة المفرطة وتركيز الموارد العسكرية والمدنية والسياسية في وقت قصير وبكثافة عالية لصالح إنهاء المعركة بالنصر بسرعة قياسية، مستفيدة من التفوق الجوي والمعلوماتي ومن كونها تستخدم أفضل أنواع الأسلحة في العالم،

وهي الأسلحة الأميركية، ومستفيدة كذلك من الهالة التي صنعتها حول نفسها من حيث كونها قوة متميزة لا يمكن هزيمتها في الشرق الأوسط. فالمساحة الجغرافية لإسرائيل وبعدها الحيوي لا يمكنانها من خوض حرب طويلة الأمد، وهي علاوة على ذلك أكثر ميلاً للحرب الاستباقية توخياً لمنع الطرف الآخر من إلحاق أضرار كبيرة بمدنها السهلة النيل.

إن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي منذ ما يزيد على نصف قرن قد أثبت عجز النظام العربي في أوج القوة العربية وإجماعها على خوض الصراع المسلح في فرض معادلته في المنطقة، فمن المستبعد جداً في ظل اختلال توازن القوى في العالم و في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، أن يتمكن حزب الله من فرض مشروعه، فإسرئيل نفسها رغم كل الدعم الدولي الذي تلقته، ولا تزال، منذ توقيع اتفاقيات السلم مع بعض دول الطوق لم تتمكن من فرض مشروعها، فهذه المنطقة من العالم تبدو عصية على الحلول التي تلبس جلباب القوة.

كما أن هنالك دافعاً آخر وراء هذا التصعيد الكبير في رد الفعل، وهو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد أولمرت، وهو شخص مدني بخلاف من سبقوه الذين كانوا عسكريين محترفين، ليس له تاريخ يذكر في السياسة الإسرائيلية التي تسلق سلمها بسرعة غير مألوفة في إسرائيل،

وهو إذ ينتمي إلى الصقور الجدد الذين انشقوا عن تجمع الليكود وعن حزب العمل ليأتلفوا في حزب كاديما الجديد، يجد نفسه في موقف محرج قد لا يؤهله للبقاء في منصبه طويلاً إن لم يكن لديه بعض اللمسات التي كانت لزعيم حزبه شارون الذي ينازع الموت في أحد المستشفيات في تل أبيب، فقد اعتاد الإسرائيليون على رؤية قادتهم يطلقون ألف قذيفة مدفع استجابة لطلقة من بندقية توجه نحوهم.

إن أحداث لبنان الأخيرة لم تكشف فقط عن انهيار العملية السياسية في الشرق الأوسط، التي قام الأمين العام للجامعة العربية بنعيها، وإنما كشفت كذلك عن مدى ضعف النظام العربي الذي اتضح في فشل وزراء الخارجية العرب في الوصول إلى صيغة متفق عليها حول ما يجري من تدمير في الأراضي اللبنانية، وعن قدرة هذا النظام على غسل أيديه من هذه القضية والقيام بترحيلها إلى مجلس الأمن الدولي في وقت لاحق من هذا العام.

أما على الجانب الآخر فإن إصرار الولايات المتحدة وبعض حلفائها على أن تنفيذ القرار 1595 الصادر عن مجلس الأمن الدولي هو المدخل الوحيد لإحلال السلم في المنطقة، و كأن هذا القرار هو الوحيد الذي أصدره مجلس الأمن الدولي وبقي دون تنفيذ منذ قيام دولة إسرائيل، هو الآخر دليل جديد، ولكنه ليس وحيداً، على مدى بشاعة النظام العالمي الجديد، ومدى مساهمته وفاعليته في توزيع الحيف الذي تحصده الشعوب الضعيفة والمقهورة فقط.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae