في عام 2002 اجتمعت خمس وعشرون دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD لمناقشة قضية تطوير التعليم في البلدان الأعضاء، وخلصت الدول المجتمعة بعد عامين من الدراسة والبحث إلى نتائج عدة أهمها أن المعلم الذي يعتبر أحد أهم ركائز العملية التعليمية، لم ينل حقه من الاهتمام والتمكين مما أدى بالمدارس إلى مخرجات لا ترقى إلى الأهداف التنموية التي وضعتها المنظمة لدولها الأعضاء،

الأمر الذي دق ناقوس الخطر ودفع بالمنظمة لوضع إطار عمل عام لا لتنمية المعلم وتطويره فقط، ولكن لتعزيز مكانته في المنظومة التعليمية أو المجتمعية إن صح التعبير لضمان سلامة بنيان المجتمع وعدم ترهله في مرحلة مهمة تلج فيها البشرية إلى عالم قائم على اقتصاد المعرفة.

لقد مرت البشرية في العقدين الماضيين في مرحلة من التقدم السريع لم تشهده من قبل، فاختصرت الأبحاث العلمية مئات السنوات من العمل الدؤوب للوصول إلى المعرفة، وأصبح الشرق يتصل بالغرب في سويعات معدودة، وغدت كبسة زر واحدة كفيلة بمضاعفة الأرباح التجارية بين ليلة وضحاها، مما أفرز قوانين جديدة للعلاقات بين البشر وكيف يستشرفون المستقبل ويخططون له، لذلك وجب على القطاعات الحيوية كالتعليم مثلا أن تواكب هذه التغيرات وتتعامل معها حسب قوانين اللعبة الجديدة، فقديما كان من يملك يحكم، واليوم أصبح من «يعلم» يحكم حتى وإن كان ذلك بطريقة غير مباشرة.

وبسبب هذه التغيرات طرأت على العملية التعليمية مستجدات وعوامل جديدة أجبرت الدول على مواكبتها والتأقلم معها إن أرادت أن يكون لها شأن على الساحة الدولية، فأصبح الطالب في أمس الحاجة إلى مهارات سوق العمل قبل تخرجه، وأمسى في بحث دائم عن مصادر تعينه على البقاء في المنظومة التعليمية الجديدة من موارد تقنية ودعم أسري وإدارة مدرسية واعية والأهم من كل هذا «معلم» مدرك لهذه المصادر وقادر على توفيرها ومنحها للطالب في صورة مبسطة ولكن حديثة ومتجددة في الوقت نفسه.

لذلك صار لزاماً على المعلم أن يتحلى بخصائص جديدة ومؤهلات علمية وخبرة عملية وحياتية ناهيك عن الرغبة والدافع الداخلي لتأدية عمله، فلم يعد مدرس الرياضيات الذي يعطي الطلبة أمثلة عن صفقات تجارية بين تجار الشعير والقمح صالحاً للعمل في زمن طغت عليه التجارة الإلكترونية، وسيطرت على جوانبه تداولات الأسهم والسندات وغير ذلك من المفاهيم التجارية الحديثة.

أشارت أبحاث بعض الدول الأعضاء في المنظمة إلى أن جودة المعلم تنعكس على أداء الطالب العلمي والسلوكي في المدرسة، وبالتالي تم وضع معايير دقيقة لاختيار المعلمين في جميع المراحل الدراسية، وتم وضع نظام لقياس أدائهم طوال العام الدراسي لتحديد جوانب النقص لديهم وبالتالي إلحاقهم بدورات تدريبية إن لزم الأمر أو توجيههم لتطوير أدائهم.

ولم تكتف المنظمة بذلك، بل وضعت نظاماً للحوافز والتكريم للمعلمين الحاصلين على نتائج عالية في قياس الأداء تماماً مثل مؤسسات القطاع الخاص، وحتى يكون التقييم عادلاً يتم الاتفاق بين المعلم والمدرسة على توفير الاحتياجات والموارد التي قد يحتاجها المعلم بالإضافة إلى الدعم المعنوي طوال العام ليتمكن من التفرغ لعمله ويركز على مهمته.

أما من ناحية التطوير، فقد تم تحديد الكفاءات التي تحتاجها كل مرحلة من مراحل الدراسة وما هي معايير الأداء لكل مرحلة على حدة، وعليه يوضع المعلم في برنامج لتطوير نفسه من خلال حضوره للدورات التدريبية أو للمؤتمرات العلمية والمشاركة فيها أو توفير المراجع المهمة له، وهنا يجدر الذكر بأن هناك توجها بأن يقوم المعلم بإجراء أبحاث علمية في مجال تخصصه ليمتد بذلك دوره إلى تطوير المنهاج التعليمي وأساليب التدريس والخروج من بوتقة «الموظف» إلى «المطور» وحتى يتحقق مفهوم رسالة التعليم.

وبالنسبة للمعلمين الجدد، وضع لهم برنامج «للدعم الوظيفي» كما يسمونه في القطاع الخاص، حيث يحصل المعلم على إرشاد mentoring من قبل اخصائيين في مجال التعليم إلى أن يستكمل جميع المهارات المطلوبة منه في المرحلة التي وصل إليها.

وأخيراً وبعد وضع إطار عمل وسياسات حكومية لتطوير المعلم وبعد تحديد الموجهات العامة لذلك، قامت كل مدرسة في الدول الأعضاء في المنظمة بوضع خطة تطويرية لمعلميها بناءً على حاجاتها ومراحلها الدراسية والأهم من ذلك على نوعية المعلمين الذين يعملون بها بما يتناسب مع كفاءاتهم وقدراتهم، وبذلك تضمن الدول تحقيق أهدافها الاستراتيجية للتعليم، وفي الوقت نفسه تتجنب خطأ وضع نظام تدريبي موحد لجميع المعلمين، متجاهلة بذلك اختلافاتهم الذهنية والفكرية.

ولتحقيق هذه السياسات أنشأت بعض الدول مجالس للتعليم تكون مهامها الرئيسية الإشراف على تنفيذ سياسات التعليم وتحسين صورة وظيفة المعلم في المجتمع وإعطائها المكانة التي تستحقها، والجميل في الأمر أن المعلمين يشاركون في وضع هذه السياسات بأنفسهم لأنهم جزء لا يتجزأ من منظومة التعليم، ولأنهم أول المعنيين والمتأثرين بهذه السياسات،

بالإضافة إلى مراجعة سلم رواتب المعلمين ومقارنته بسلم الوظائف المماثلة من القطاع الخاص وبالتالي تعديله بما يتلاءم ومتطلبات الحياة، والتأكد من وجود آلية لإلزام جميع المدارس بمقاييس جودة التعليم الموضوعة من قبل الدولة وإلزام المعلمين بتطوير أنفسهم من الجوانب العلمية والعملية، والتأكد من أن لكل معلم مسارا وظيفيا يضمن له مستقبلا مشرقا.

لقد آن الأوان أن تتخذ وزارة التربية والتعليم في الدولة خطوات عملية لتحسين أوضاع المعلمين ليس من الناحية المادية فقط، ولكن من ناحية الدور الذي تلعبه هذه الوظيفة في حياة المجتمع ككل، فنحن اليوم في حاجة إلى المعلم الذي يزرع شغف البحث عن المعلومة في نفس الطالب، وآن الأوان أن ننهي مرحلة من «التلقين» ونبدأ مرحلة «التعليم» الحقيقي القائم على توزيع الأدوار بشكل صحيح، ليصبح دور الطالب هو البحث عن المعلومة وتحليلها والتأكد منها،

وأن يلتزم المعلم بتوجيهه وتصحيحه وتوسيع مداركه، وأن يكون فوق هذا وذاك مثالاً يحتذي به الطالب قبل أن يتعلم منه، فعندما أرادت أم الإمام مالك بن أنس أن تجعل من ابنها أحد أبرز فقهاء المسلمين ألبسته لباس العلماء وهو لم يتجاوز العاشرة بعد، وقالت له: «اذهب إلى ربيعة الرأي وتعلم منه أدبه قبل علمه».

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com