هكذا هم العرب دائماً في كل زمان، وعند كل مفترق، لا يتفقون على موقف موحد، حتى وإن كان الأمر الخطير الذي يختلفون حوله يحدد وجودهم من الأساس، بعكس الآخر الإسرائيلي الذي يختلف في كل الأوقات، عملاً بالمنهج الليبرالي الديمقراطي الذي تريد أن تظهر به «إسرائيل» نفسها أمام المجتمع الدولي، وأمام الغرب تحديداً، ولكنها في وقت الخطر، وحين يتعلق الأمر بأمن «إسرائيل» ووجود الشعب «الإسرائيلي»، نجد أنه لا مكان للاختلاف ولا للتباين في وجهات النظر.

وهذا ما يفسر التلاحم الذي نراه اليوم، حيث لا فرق بين حزب العمل والليكود والأحزاب التوراتية، لا فرق بين العلماني والمتطرف الديني، لا فرق بين جماعة السلام الآن وأساتذة الجامعة المحايدين، لا فرق بين العالم ورجل الشارع، كلهم مع «إسرائيل» الدولة، لأنها تعني وتحمي «إسرائيل» الشعب!

ولا أدري مَنْ مِن كتابنا قد كتب في صحافتنا المحلية ذات يوم عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» الأميركية بأنها منظمة محايدة وبأن العاملين فيها موضوعيون ومحترمون جداً، يومها التقيت مع المدير الإقليمي في الشرق الأوسط لهذه المنظمة وكتبت بعد اللقاء انتقد انحيازه الواضح «لإسرائيل» من خلال حديثي معه، يومها لامني أحد الإخوة على عدم إنصافي للرجل المحايد والمحترم، وها هي منظمة هيومن رايتس ووتش اليوم تعلن من خلال مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا «أن صواريخ حزب الله على المناطق المدنية في إسرائيل تشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الإنساني الدولي، وقد يعتبر ذلك جريمة حرب»!! دون أن تذكر المنظمة «المحترمة» شيئاً عن تدمير إسرائيل لدولة بأكملها وقتل المدنيين فيها واجتثاث كل أشكال الحياة بلا استثناء!

فإذا علمنا أن هذه المنظمة تتخذ من نيويورك مقراً لها، علمنا أن الانحياز للدولة العبرية سيكون أمراً محتماً، إن أرادت أن تبقى وأن لا تلاحق أو يعرقل نشاطها من قبل عتاة اليهود والصهاينة الممسكين بزمام الحياة في هذه المدينة الأميركية التي وقفت فيها قبل أيام هيلاري كلينتون لتقول بكل وقاحة «إن مهاجمة حزب الله لإسرائيل أمر غير مسموح به ولن نسمح به أبداً» وللعلم فإن هذه السيدة التي خانها زوجها الرئيس ذات يوم على مسمع العالم، قد طأطأت وقبلت ومررت الأمر بهدوء لأغراض سياسية، وهي اليوم تضع عيناً على البيت الأبيض، وعيناً على معونات منظمة «إيباك» اليهودية في أميركا، وبالفعل فهي تحظى بأكبر دعم مالي وسياسي من يهود هذه المنظمة!!

إذن لا تخاذل ولا اختلاف ولا اختراق للموقف الصهيوني من قبل اليهود أو حتى أصدقائهم، فالكل متفق على سلامة الموقف الإسرائيلي وحق الصهاينة في تدمير لبنان دفاعاً عن «إسرائيل» بينما نختلف نحن العرب على حقنا في المقاومة، وحق المقاومة في أن تدافع عن أرضها، نختلف إلى درجة أن يقول كاتب خليجي على أحد المواقع الإلكترونية الشهيرة «إن ما من كلمة دخلت قاموس العهر الثقافي والسياسي العربي مثل كلمة مقاومة وجهاد»!!

الأمة تواجه مأزقاً تاريخياً خطيراً، وعلى أرض لبنان تدور رحى معركة ليست بسبب جنديين أبداً، بل بسبب مخطط استعماري آخر يريد إعادة ترسيم المنطقة لصالح إسرائيل، وترتيب أوضاعها لصالح الولايات المتحدة، دون أدنى وجود لحركات المقاومة والجهاد والتحرر. سيتغير كل شيء ربما.. لكن الثابت الوحيد سيبقى هو الاختلاف العربي.

sultan@dmi.gov.ae