درج الأميركان باستمرار على وصف بلاد العم سام بأنها «أميركا الجميلة» وساد هذا الوصف منذ عقد الخمسينات حيث كان السائح الأميركي يجوب أنحاء أوروبا التي كانت قد دمرتها الحرب وهو ينثر الدولارات ويوزع النكات ويؤكد الصورة المنطبعة في أذهان أهل أوروبا الغربية المكدودين والمغمومين من جراء الحرب، صورة هاري الأميركاني بعقليته البسيطة ووجباته السريعة ومحفظته المنتفخة ومعارفه القليلة..
ورغبته المخلصة في مد يد العون للآخرين.. هذه الصورة رسمتها وساعدت على ترويجها بالطبع أفلام هوليوود ومشروع مارشال لإعادة تعمير أوروبا ومشروع النقطة الرابعة الذي كان يقصد أساسا إلى اجتذاب شعوب من خارج أوروبا وضمها إلى صف واشنطن التي كانت تتهيأ وقتها لخوض غمار الحرب الباردة ضد الغريم السوفييتي.
مع هذا كله فالصورة اللامعة بدأت تخبو وأوهام هوليوود الملونة بدأت تبهت.. ولم يعد وصف «أميركا الجميلة» يصدق على واقع الحال.. بل أصبح الوصف الأصدق هو «أميركا المخيفة» على حد ما يذهب إليه جورج هربرت في أحدث مقال نشره في نيويورك تايمز. الكاتب الأميركي يعزو هذا التحول بين الجمال والخوف إلى ورطة العراق والتي ما زالت ماثلة وخطيرة..
وأيضا إلى ما كشفت عنه الصحف الكبرى من عمليات التجسس والتنصت واستباحة الخصوصيات التي مارستها أجهزة الحكومة ضد ملايين من المواطنين في الولايات المتحدة، ابتداء من تسجيل المكالمات الهاتفية «حتى يعرف» أخوك الكبير في الحكومة على نحو ما وصفه يوما الروائي الإنجليزي أورويل ما يتبادله خلق الله من أحاديث وليس انتهاء بفحص استمارات استعارة عامة القراء من المكتبات الحكومية العامة وهو نوع وصفه المحللون بأنه تفتيش في ضمائر الناس.
رغم هذه التطورات، وربما بسبب هذه التطورات ذاتها، نشطت منظومة الميديا ومعها أيضا منظومات السياسة الخارجية وخاصة في مجال ما أصبح يعرف باسم «الدبلوماسية العامة»، لكي تستعيد صورة أميركا الجميلة.. ذات السلوك العفوي، التي لا تستند إلى تراث من الهيمنة ولا السيطرة على شعوب القارات النامية الثلاث، اللهم باستثناءات قليلة أو معدودة، فالمقارنة هنا بين محاولات الهيمنة الأميركية عبر المئتي سنة من تاريخها وبين قرون من السيطرة الإمبريالية التي بادرت إليها إمبراطورية الاستعمار الأسباني.
ومن بعدها كانت إمبراطورية الاستعمار البرتغالي على شعوب أميركا اللاتينية وأيضا على بقاع شتى من أفريقيا (في أنجولا وموزامبيق بالذات)، بل وصل المد الإمبريالي البرتغالي في عصور متقدمة إلى شواطئ شبه الجزيرة العربية والخليج امتدادا إلى شبه القارة الهندية وما جاورها من أصقاع. ومن بعد لشبونة ومدريد تصاعد المد الإمبريالي الفرنسي والإنجليزي فكانت سيطرة كل من لندن وباريس على بقاع شاسعة وشعوب بعشرات ومئات الملايين من البشر في شرق العالم وغربه..
ومن هنا كان حرص أميركا، وخاصة مع منتصف القرن الماضي، على أن تلعب دور المحرر لأوروبا ودور العامل المساعد (الكاتاليست) على التطور والتنمية من خلال مشاريع حملت مسميات براقة ورفعت شعارات جذابة من قبيل «جيش الإنقاذ» أو «النقطة الرابعة» أو «كتائب السلام»®. الخ.
في ضوء هذا كله يستطيع المحلل السياسي أن يفهم حرص الساسة والسياسة في أميركا على متابعة بحوث واستطلاعات واستفتاءات الرأي العام.. ويخيل إلى المرء أن المسألة أصبحت أقرب إلى بورصة الشعبية والجاذبية السياسية أو إلى ترمومتر سياسي يصعد بالتأييد (أبناط) أو درجات فإذا بحالة من الانتعاش تسود دوائر واشنطن الحاكمة.
وقد يحدث هبوط الأسهم وانخفاض درجات الترمومتر فإذا بحالة من التأهب تدق أجراس الإنذار وتضع الخطط المستعجلة من أجل إنقاذ سمعة الولايات المتحدة التي ما برحت تحرص عليها كدولة كبرى وقطب عالمي يهمه كثيرا أن ينال مصداقية خاصة بين الأمم والشعوب، وهو ما اصطلحت عليه تعبيرات سياسية رائجة في العاصمة الأميركية يأتي في مقدمتها مصطلح «محاولة احتواء الأضرار».
وبديهي أن أميركا.. الشعب والبلد حازت تعاطفا عالميا - غلوباليا واسع النطاق غداة تعرضها لكارثة الحادي عشر من سبتمبر.. وبديهي أيضا أن بورصة النظرة الإيجابية إليها في عيون الرأي العام الدولي كانت في صعود مطرد..
ولكن السنوات الخمس التي انقضت على تلك الأحداث.. وما احتوته من أنماط السلوك السياسي لفريق المحافظين الجدد الذي تشوبه فكرة أو أطروحة التصادم بين الحضارات والثقافات - كل هذا يُفقد واشنطن، أو يكاد يفقدها ذلك الرصيد الثمين من التفهم والتعاطف، وأحيانا من المتابعة الواعية والإعجاب وهو رصيد لم يكن وليد أحداث سبتمبر وحدها بل شاركت في صنعه وصياغته عناصر شتى ما بين سينما هوليوود إلى انتشار الكولا وما بين أفكار «توماس بين» حول حقوق الإنسان إلى منجزات أميركا في مجال العلم والتكنولوجيا وآخرها - كما هو معروف - منجزات بيل جيتس ومساعديه في مضمار ثورة الحواسيب الإلكترونية.
ومما يقلق صانعي السياسة الأميركية ما يصلهم من نتائج استطلاعات الرأي التي تجريها كبرى المؤسسات الإحصائية - الإعلامية المتخصصة وفي مقدمتها مركز «بيو للبحوث». وقد تناول الكاتب بريان نولتون (جريدة الهيرالد تربيون الدولية) أحدث استطلاع قام به المركز المذكور بشأن «الصورة العالمية للولايات المتحدة» التي وصفها الكاتب الأميركي بأنها تزداد سوءا وقتامة.
كيف لا وقد شمل الاستطلاع 16710 من 15 بلدا منها مصر وتركيا، وهي عينة سخية بكل المقاييس الإحصائية، وتم إجراؤه في منتصف مايو الماضي ليسفر عن تدهور التأييد للسياسة الأميركية وكان أبرز رافضي هذه السياسة نسبة 77 في المئة في أسبانيا و 70 في المئة في إندونيسيا و 88 في المئة في تركيا.
وربما زاد من قلق صانعي السياسة الأميركيين ما طالعوه من نتائج استطلاع آخر تم إجراؤه في أوائل يوليو الحالي ونشرت نتائجه «صحيفة الدايلي تلجراف البريطانية» واتسم بالأهمية أولا لأنه الأحدث زمنيا، وثانيا لأنه تم لاستطلاع رأي البريطانيين وهم أقرب شعوب أوروبا والعالم إلى أميركا.
والاستطلاع أجرته مؤسسة انجليزية متخصصة (اسمها يوجوف) وبلغ حجم العينة الإحصائية 1962 من البالغين.. وأكد معظم هؤلاء الإنجليز (نسبة 70 في المئة) أنهم يقبلون الشعب الأميركي كأفراد ولكنهم يرفضون أميركا كخط سياسي لدولة كبرى.
في معرض التعليق على نتائج الاستطلاع الأخير يقول البروفيسور انتوني كنغ، أستاذ علم أصول الحكم في جامعة إيسكس البريطانية:
- لم يحدث من قبل أن تعامل البريطانيون مع أميركا من خلال هذا المنظور المتدني شرقي المحيط الأطلسي.. وها هم البريطانيون يرون أن واشنطن أساءت التصرف في العراق وأنها لا تبالي بما تفكر فيه بقية العالم.. وأنها ما زالت تعاني داخل مجتمعها من خصائص الانقسام العنصري وأنها خاضعة لسيطرة كبار دوائر البيزنس وأنه يسيطر عليها هاجس أساسي هو: المال.
في نفس السياق يضيف الأكاديمي الإنجليزي قائلا: رغم أننا نسلم بالتفاهم المزدهر بين داوننغ ستريت وبين كامب ديفيد (يقصد بين رئاسة الوزراء البريطانية والرئاسة الأميركية) إلا أن العلاقة الخاصة التي لا يفتأ يتحدث عنها زعماء بريطانيا بين الطرفين قد أصابها الوهن والفتور وخاصة على مستوى الجماهير البريطانية. ويسترعي الاهتمام في هذا السياق بالذات أن جانبي الأطلسي في بريطانيا وأميركا يكادان يتفقان على الهبوط الذي أصاب شعبية الرئيس بوش.
وفيما بلغت هذه الشعبية حسب استطلاعات الرأي العام الأميركي نسبة 30 في المئة قد تقل أو قد تزيد في حدود طفيفة وهي نسبة منخفضة بشكل عام ومقلقة لدهاقنة أعلام البيت الأبيض بشكل خاص، فإنها في بريطانيا سجلت نفس النسبة لأولاد العم الإنجليز الذين ذكر الإحصاء أنهم وصفوا السياسة الخارجية لواشنطن بأنها «بدلا من أن تنطلق من رغبة بناء الديمقراطية فإنها تعمل من وراء ستار لتحقيق المصالح الأميركية».
على الجانب الآخر من القضية..
لا يملك المراقب السياسي سوى أن يسجل باهتمام حرص القيادة الأميركية (بوش ومعاونيه) على استرجاع ثقة الناس وربما على تغيير بعض السلوكيات التي ثبت خطؤها.. وقد تبدى هذا المسار المستجد فيما لوحظ من تخفيف لهجة بوش إزاء إيران وكوريا الشمالية في ضوء مشكلة بلاده مع هذين البلدين اللذين ما برحا مصدر صداع لآلة السياسة الأميركية..
وهو ما حمل مطبوعة أميركية فائقة الأهمية هي مجلة «التايم» على أن تفاجئ قراءها في آخر أعدادها الصادرة (10/7/2006) بغلاف يحمل عبارة جاءت أقرب إلى النبوءة تقول: «نهاية دبلوماسية راعي البقر».
كاتب مصري