لا يمكن لأي إنسان أن يتكهن بأمرين في لبنان حالياً، الأمر الأول هو متى وكيف سينتهي هذا الوضع المأساوي الذي وجد لبنان واللبنانيون أنفسهم فيه بشكل يشبه الصدمة، أما الأمر الثاني فهو حجم الكارثة الإنسانية والدمار والمعاناة التي تحدث هناك ولا تعولوا كثيراً على الصورة التي تنقلها الفضائيات الإخبارية فهي برغم اجتهادها، وانتشار شبكة مراسليها، لا تستطيع أن تنقل كل الصورة.
نحن نرى ونشاهد جزءا من الكارثة وبعضا من المأساة، لكننا لا نستطيع أن نتلمس حجم الألم، وحرارة الدم المسفوح واللحم المتناثر عبر الشظايا المحرمة دولياً! نحن نتعاطف، نمتلئ بالغصة والقهر والبكاء، لكننا بالتأكيد لا نطال بأيدينا الجثث المتفحمة، والأطفال المتناثرين في كل مكان قتلى ومنكفئين على وجوههم، بينما تقبض أيديهم على بعض من بقايا لعب ما قبل الموت المباغت!
إن «إسرائيل» التي منحها بوش مباركته هو وكل الغرب المناصر لإسرائيل، لتدافع عن نفسها، تفعل ذلك بكل الوحشية الممكنة وغير المتصورة، إنها تدافع عن نفسها بالقنابل العنقودية، والفراغية، والفسفورية، وبالغازات السامة التي تسبب التشوهات والقيء وشل الحركة.. أميركا تعرف ذلك والغرب يعلم ذلك وكلاهما موافقان، فالذين يموتون بهذه الأسلحة هم عرب في النهاية، وليسوا بأفضل من العراقيين من وجهة نظر أميركا التي استخدمت نفس هذه الأسلحة عندما غزت العراق!
لم يعد في يد أحد حيلة ما، فكل الأوراق في يد الولايات المتحدة الأميركية، فهي إن شاءت أوقفت الحرب وإن شاءت تركتها تدمر أكثر فأكثر وصولاً لتحقيق الهدف الإسرائيلي المنشود: كسر عظم حزب الله، تنفيذ القرار 1559 بنزع سلاح المقاومة، وإعادة هيكلة الحكومة اللبنانية بإخراج نواب الحزب منها كمرحلة لاحقة، وطبعاً تسليم الجنديين بلا مقابل وحزب الله يرى بأنه لو فعل ذلك فإنه سينتهي إلى الأبد وهو إن كان يريد أن يفعل ذلك ما كان تقدم في هذه الحرب خطوة واحدة، أما الآن وبعد كل هذا الخراب والدمار فلا مجال للتراجع، هكذا يفكر حزب الله حسب اعتقاد الكثيرين!!
قد يكون تفكيراً طبيعياً لحزب الله أن يحسب الأمور بطريقته، لكن لبنان الآن بحاجة لمن ينقذه فالكارثة صارت واقعاً، ورئيس الوزراء اللبناني أعلن لبنان بلداً منكوباً، وقوافل الإغاثة وفي مقدمتها الإغاثة الإماراتية بدأت تتوالى.. ولابد من الضغط العربي والدولي باتجاه الحل الدبلوماسي لوقف آلة الحرب المجنونة.. فإن لم نستطع ذلك فلنكثف مساعينا الإنسانية باتجاه توفير المساعدات للمنكوبين الذين هجروا ونزحوا من قرى وبلدات الجنوب ومناطق أخرى، فلبنان يحتاج لكل عربي في محنته الحالية، وعلى كل العرب أن لا يخذلوه مجدداً!.
إن موقف الإمارات المشرف في الاتجاه الإنساني لا يمكن إنكاره أو المزايدة عليه، فهي السباقة أبداً ودوماً وهي الأولى دائماً في ميدان الإغاثة وهذا ليس بجديد عليها حكومة وشعباً. والمطلوب أن يكثف الهلال الأحمر الإماراتي جهوده مع المنظمات العربية والإقليمية والدولية المماثلة له في النشاط ليشكل بهم ومعهم قوة ضغط إنسانية لإنقاذ ضحايا الوحشية الإسرائيلية والصمت الغربي والأممي والإقليمي،
ولا يقتصر الأمر على المبادرات الحكومية فكلنا مطالبون وملزمون بالمساهمة في إنقاذ لبنان اليوم وهو ينزف بغزارة وغداً حين يبدأ في إعادة ما دمره النازيون الجدد.. لا نريد أن نكون شركاء لبنان في سلمه وجماله ومتبرئون منه في محنته فهذه ليست من أخلاق العروبة ولا الإسلام.