خبر حرب وقتل ودمار وإهانة واعتداء كخبر فوز سائق دراجة في سباق، كإعلان عن خط هاتف نقال، كابتسامة مذيعة أخبار الطقس، كبث فيديو كليب جديد لمطربة يتلوى جسمها كذيل حية رقطاء.. سيان كل الصور أمام العين، حيث برودة الدم كبرودة الصقيع في أقصى مرتفعات الأرض.

كنا أيامها صبية في المرحلة الإعدادية في حصة الكيمياء نتسمر نحن ومدرسنا أمام مذياع صغير نستمع آخر أخبار الحرب مع العدو الصهيوني على الجبهات.. أخبار صواريخ سام، ونصفق ونهلل وتنفرج أساريرنا وتثلج ضلوعنا في صدورنا ونحن نسترد معها الكرامة.. صاروخ يسقط طيارة للعدو.. صاروخ آخر يسقط طائرة أخرى معادية.

نحضن بعضنا بعضاً تغرورق دموع مدرسنا بالدموع.. شرح الدرس يتأجل في انتظار النصر.

عند باب المدرسة لن نذهب راكضين إلى بيوتنا.. هناك على الجبهات مقاتلون من إخواننا العرب نشعر بثورة دمائهم عبر آلاف الأميال التي تفصلنا عنهم.. نحن هنا صبية صغار تفور في جماجمنا الصغيرة دماء الأمة.. «أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد وحق الفدا» في الراديو وفي التلفزيون..نعيش حالة حرب الكرامة من ذلك البعد.

وقفنا أربعة فوق رصيف الشارع نلصق رؤوسنا إلى المذياع الصغير، نسمع الأخبار وصوت نداء الكرامة.. شمس الأصيل اقتربت ونحن مازلنا نحمل على ظهورنا حقائب الكتب المدرسية، ومجموعة أخرى من التلاميذ تتحدث عن اسم الطيار الذي اسقط طائرة العدو.

قلب واحد ينبض في كل شبر من الأرض العربية، وصيحة واحدة وكأننا كلنا ذلك المحارب الذي يتوسد بندقيته الساخنة أمام أعين العدو.

في اليوم الثاني دخلنا إلى حصة الجغرافيا.. غير المدرس مقرر الحصة في ذلك اليوم ورسم لنا خطوط المواجهة والجبهة التي يحارب من على مرتفعاتها وسهولها فرساننا الأشاوس، هذه حدود سوريا ولبنان ومصر والأردن وهذا هو البحر وهذه هي فلسطين السليبة، حتى مفردة سليبة ضيعناها اليوم بسبب الخدائع وثقافة المعاهدات الزائفة.. اخبرنا مدرس الجغرافيا كيف تجري الأمور هناك.

في تلك الأيام لم تكن هناك شاشات تبث لنا الحرب مباشرة من مواقعها، كما اليوم، ولم نكن نشاهد أطفالنا المحترقة أجسادهم بفعل قنابل النابالم الحارقة.. ولو توفر لنا ذلك لا اعلم إلى أي مدى ستسخن في عروقنا الدماء!!

مازال في هذه الأمة شرفاء يحاربون.. ولابد أن نكون معهم.

mhalyan@albayan.ae