خلال سنوات وسنوات مشيت لبنان كله، طفته من أقصاه إلى أقصاه، من شماله إلى جنوبه، من شرقه لغربه، من جبيل شمالاً حتى بنت جبيل جنوباً، من أرز الرب في أعلى الأعالي حتى بحر بيروت والروشة والمنارة والرملة البيضاء، عبرت بيروت من خلال الضاحية إلى سن الفيل وبيت مري وبرمانا وبعبدا وبعبدات، من أوتوستراد بيروت نزولاً تحت جسر نهر الكلب التاريخي ذهاباً إلى جعيتا مروراً بسهيلة وبلونه وارتفاعاً إلى مناطق الثلج في فاريا، ومن بيروت عبر صيدا إلى النبطية فالجنوب فجزين.
عبرت جزين إلى مشفرة فبحيرة القرعون، ومنها وعبر جبال لا تنتهي وفي مغامرة حقيقية طفت الجبال عبر ضهر البيدر وشتورا، فطريق الشوف بحمدون نزولاً منها إلى بيروت، طفت لبنان كله، وفي كل مكان جلست وتحدثت وتأملت، وشربت وأكلت واستمعت إلى فيروز ووديع الصافي وصباح ورأيت صور القديسين والقديسات والكنائس والمساجد والشهداء، همت بالأرز وبالصنوبر وبآيات الله الرائعات هناك، وفي مكان ما، في لحظة ما أحسست بأنني كدت أبكي لفرط الجمال والقداسة.
الآن وأنا أرى لبنان الأخضر الجميل العذب الذي عرفته وعشقته كما لم أعشق بلداً آخر بعد وطني الإمارات، الآن وأنا أراه بلداً عربياً آخر يستباح وينتهك أمام العالم بعد العراق، لا أملك سوى الحزن والبكاء والألم.
الآن وأنا أرى لبنان الذي مشيته وأحببته ولي فيه أصحاب كالأهل وأصدقاء أحبة، أراه يحرق ويرجم بالنيران الإسرائيلية لا أستطيع سوى أن أكره «إسرائيل» وأميركا كما لم أكره شيئاً في حياتي، وأن أكره الصمت العربي لأنه صمت قاتل ولأنه عربي، وأخشى أن أكره نفسي وأتبرأ من انتمائي لأمة وصلت حد تجمد الدماء في العروق، وأرجوكم لا تقولوا لي إن حزب الله قد أسر جنديين صهيونيين، لا تقولوا لي بأن كل هذا الجنون الصهيوني بسبب جنديين، فأنا لا أستطيع أن أعقل هذا التخريف المزمن!
فعندما ارتكبت إسرائيل مذبحة قانا لم يكن هناك أسرى، وعندما اجتاحت لبنان واحتلته عام 1982 لم يكن هناك أسرى، وعندما احتلت الجنوب لعشرين عاماً لم يكن هناك أسرى، ثم ان أهل مروحين لم يأسروا الأسرى ولم يخبئوهم، والمطار ليس ملكية خاصة لحزب الله، وموانئ بيروت وجونيه وشواطئ صيدا وصور ليست من ممتلكات حزب الله، والجسور كذلك وكل البنية التحتية.
الحكاية من البداية حتى النهاية اننا جميعاً يجب أن ندخل العصر الإسرائيلي الأميركي بخضوع وبلا أدنى اعتراض.
المسألة أنه مطلوب منا أن نتحول عبيداً بجدارة، وسواء قام حزب الله بما قام به أو لم يقم فإن ما نراه كنا سنراه ولكن بسيناريو آخر!