عندما تقرأ مقالة أو بحثا أو تستمع لمداخلة من شخص بحريني أياً كان مستواه الفكري أو توجهه الأيديولوجي، خاصة في موضوع تقييم الإصلاحات والانفتاح والمصالحة السياسية التي تشهدها البحرين حاليا، لا بد أن يأخذك في حديثه إلى تاريخ البحرين السياسي، فالماضي هو الذي يتحكم في صياغة الفكر السياسي في المجتمع البحريني لكافة أطراف المعادلة، سواء من كان في الحكم ومؤيدوه أو المعارضة بكافة أطيافها وأيديولوجياتها.

فالماضي في البحرين له أهميته الخاصة التي تنبعث من كونها تعتبر مرجعية التفسير والحكم على الكثير من أحداث الحاضر المهمة سواء فيما يتعلق بسياسة الحكم أو بمبدأ العدالة والمساواة بين فئات المجتمع وإعادة توزيع الثروة بشكل صحيح.

قد يكون الماضي إيجابيا في كونه أوجد مسيرة نضال وطني ومخاض لكثير من الأحداث التي ميزت مجتمع البحرين اليوم عن باقي مجتمعات الخليج بحيث يعتبر مجتمعاً أكثر حرية وديمقراطية وتقدما، وقد يكون سلبي في جزء منه في كون الماضي كان سبباً في إيجاد أزمة ثقة بين فئات في المجتمع والمؤسسة الحاكمة استمرت لسنوات عديدة، وإن كان الملك الحالي يحاول بجد ردم جزء كبير من هوة هذه الأزمة.

وإذا رجعنا للعوامل التي هيئات مجتمع البحرين ومكنته من إيجاد مسيرة النضال الوطني في فترة مبكرة من عمر إمارات الخليج، فإننا نجد مجموعة من العوامل لعل أهمها انتشار التعليم في وقت مبكر، حيث كانت أول مدرسة نظامية تؤسس في البحرين في عام 1919، وأول بعثة تعليمية تغادر البحرين إلى الجامعة الأميركية في بيروت كانت في عام 1926.

ولعب الاستعمار البريطاني دوراً كبيراً في عملية التحديث الإداري والبيروقراطي خاصة بعد أن اتخذ من البحرين مقراً له في منطقة الخليج، مما كان له أكبر الأثر في نشر الوعي بين شعب البحرين في تلك الفترة المبكرة وإن كان هذا بدون تخطيط مسبق أو قصد من الاستعمار.

كما لعب عامل الاختلاف الثقافي والمذهبي بين شعب البحرين دوراً رئيسياً في مسيرة العمل الوطني، فكانت كل طائفة تعبر عن مطالبها واحتياجاتها بطرق نضالية عديدة فبرزت العرائض والاحتجاجات والاعتصامات، وإن بدأت هذه الطرق تتوحد وبدأت الاختلافات تتلاشى خاصة في أواسط الخمسينات عندما أعلن عن تشكيل هيئة الاتحاد الوطني المناضلة ضد الاستعمار البريطاني، حيث تعتبر هذه الهيئة أول اتحاد وطني عرفه الشعب البحريني من أبناء الطائفتين.

ما دعاني لاستذكار هذه المقدمة التاريخية، حديث الشارع البحريني اليوم عن وفاة الشاب العجوز المناضل أحمد الذوادي. أما ما دعاني لإطلاق لقب الشاب عليه، فهو انضمامه إلى مسيرة النضال الوطني في فترة مبكرة من عمره ، فقد ساهم في تأسيس جبهة التحرير الوطني البحرينية عام 1955 وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره. و تعتبر الجبهة أول حزب يساري يشكل في منطقة الخليج العربي.

والحديث عن الأحزاب اليسارية في منطقة الخليج حديث متشعب وذو أبعاد تاريخية ونضالية مختلفة انتهت في أماكن معينة وواصلت في دول أخرى على الرغم من ثورة غورباتشوف البيضاء التي جاءت لتدق المسمار الأخير في النعش الأحمر لتنهي بذلك إنجازات حقبة بأكملها.

تعتبر البحرين والسعودية من أوائل الدول الخليجية التي ظهرت فيها الأحزاب اليسارية في فترة مبكرة وواصلت مسيرتها، عكس الكويت على سبيل المثال التي شهدت هي الأخرى ولادة بعض الأحزاب اليسارية على أيدي مجموعة من المناضلين العرب ولكن سرعان ما انتهت وتلاشت. بالإضافة إلى عمان في فترة لاحقة. قد يكون ظهور الطبقات العمالية في منشآت النفط في كل من البحرين والسعودية في فترة مبكرة هو السبب الرئيسي وراء ظهور الحركات اليسارية والاشتراكية.

حيث كانت الطبقات العمالية تتعرض لسوء المعاملة من قبل الشركات الأجنبية سواء فيما يتعلق بظروف السكن أو الأجور أو المعاملة، وكانت هناك تفرقة في المعاملة ما بين العامل الأجنبي والعامل الوطني. لذلك كان انتشار الأفكار اليسارية نتيجة طبيعية لسوء توزيع الثروة وانعدام العدالة الاجتماعية وسياسة التفرقة الطبقية في المجتمع فضلاً عن تزايد نشاط الأحزاب الشيوعية العربية وتأثيرها في الفئة العاملة في إمارات الخليج.

وقد لعبت جبهة التحرير الوطني البحرينية دوراً كبيراً في مسيرة النضال الوطني حيث أعلنت الجبهة عن برنامجها في عام 1962 ولم يكن برنامج الجبهة يختلف كثيراً عن مطالب الحركات اليسارية التي كانت تعج بها البلاد العربية في تلك الفترة والتي كانت تطالب بالاستقلال الوطني والتخلص من الاستعمار وتنمية الاقتصاد الوطني وضمان حقوق جميع الفئات في المجتمع وأهمية التعاون والتنسيق بين البلاد العربية.

كما ساهمت الجبهة في صياغة الكثير من الأحداث الوطنية التي مر بها المجتمع البحريني، سواء في انتفاضة مارس 1965 الوطنية التي شارك فيها العمال والطلاب وجميع القوى التقدمية في المجتمع ضد الاستعمار البريطاني وشركة بابكو وسياساتها التعسفية ضد العمال الوطنيين ، حيث سرحت الشركة في ذلك العام 1500 عامل ، كما شاركت الجبهة فيما بعد في الانتفاضة العمالية عام 1972 وفي الإضرابات والاعتصامات والتي على أثرها وبفضل نضال الحركة الوطنية، تم سن أول دستور للبلاد في يونيو عام 1973.

وعلى الرغم من سنوات الاضطهاد والنفي عادت الجبهة إلى الساحة البحرينية في عهد المصالحة ، ومازالت الجبهة وإن تغير مسماها إلى المنبر الديمقراطي التقدمي، تعمل على إيصال رسالتها التقدمية في ظل مجتمع يسمح بالتعددية.

يظل الواقع السياسي في البحرين اليوم على اختلاف أطيافه وتوجهاته سواء الإسلامية منها أو اليسارية أو توجهات المؤسسات الحكومية والتي ترجمها نشوء العديد من الأحزاب والجمعيات والنوادي، يظل هذا الواقع إفرازات وطنية صنعتها ظروف داخلية في المجتمع.

ولعبت دوراً رئيسياً في ما وصلت إليه البحرين من تقدم سياسي، فالبحرين اليوم تصنف من قبل العديد من المنظمات الدولية بأنها دولة شبه حرة من حيث الحريات المدنية والسياسية وهذا ما تؤكده تقارير المنظمات الدولية غير الحكومية كمنظمة «بيت الحرية».

لقد رحل الذوادي، وفي رحيله رسالة إلى شباب اليوم سواء أكان البحريني منهم أم الخليجي أم العربي أن لا يضيعوا ما صنعه الأجداد والآباء، فقد ضحوا وناضلوا ونفوا وسجنوا من أجل الوطن وحريته، على الرغم من قلة الإمكانيات وضيق الموارد والفرص، فالثوابت الوطنية والقومية يجب أن تحفظ مسيرة النضال والعطاء.

فلا مكان للتقاعس والاتكالية واللامبالاة وعدم العدالة في عالم يتمنى أن يحيى فيه الإنسان بكرامة واحترام. رحمك الله أيها الذوادي وغيرك من المناضلين والشهداء في بلاد العرب.

مركز زايد للتراث والتاريخ