على مهل، وبكثير من الثقة والعزم، تتوالى المشروعات والاستثمارات في الإمارات، لتقدم للعالم كله نماذج رائدة للعمل التنموي الطموح، الذي ينطلق من أرضية دراسات الجدوى المعمقة، مروراً برصيد الخبرات والتوظيف الناجح لأحدث التقنيات، وصولاً إلى تحقيق التكامل في مسيرة تنموية فريدة، حققت عبر حياة جيل واحد، ما لم تحققه دول أخرى في أجيال عدة.
من هنا ليس عجيباً أن نرى أن مشروعات الإمارات، في مختلف الميادين، تحظى باهتمام كبير على امتداد العالم، ليس فقط من منطلق حرص الكثيرين على الاستثمار في هذه المشروعات والمساهمة فيها، إذا كان ذلك متاحاً ومسموحاً به، وإنما أيضاً من منطلق دراسة هذه المشروعات واستلهامها والتدقيق في الدروس المستفادة منها، بل واستنساخها في كثير من الأحيان، في ضوء النتائج الإيجابية المترتبة عليها، في إطار جهود التحديث الرائدة التي تشهدها الإمارات.
لسنا بحاجة هنا إلى إيراد أمثلة محددة لهذه المشروعات والاستثمارات الإماراتية، فالقائمة طويلة وممتدة، وتشمل مجالات لا حصر لها، ثم أنها ملء البصر والبصيرة على امتداد الآفاق.
غير أن ما يهمنا أن نتوقف عنده بالتأمل ومحاولة الاستيعاب هو تلك الذروة الرفيعة التي وصل إليها الاستثمار في الإمارات، باقتحامه مجال الاستثمار في المشروعات الثقافية والفنية الكبرى، كجزء من الاستثمار في الإنسان أولاً، وكتجسيد للاعتقاد الراسخ بأن الاستثمار في المجال الثقافي والفني هو استثمار رابح بكل المعايير، فضلاً عن كونه الاستثمار الأكثر قيمة ونبلاً ورسوخاً عبر مسيرة الأجيال.
النموذج الأكثر وضوحاً في هذا الشأن هو قرية الثقافة في دبي، التي سيشمخ تحت أفقها مشروع أوبرا دبي، التي تصنع المعمارية الكبيرة «زهاء حديد» تصميماتها، والتي لفتت الأنظار إليها فور إعلان دبي عنها، باعتبارها المشروع الأكثر طموحاً وإثارة للاهتمام، على امتداد الشرق الأوسط بكامله.
هذه النوعية الفريدة من المشروعات وصلت أخيراً، إلى ذروة رفيعة ونادرة، مع شهود الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، توقيع مذكرة تفاهم بين حكومة أبوظبي ومؤسسة جوجنهايم لتشييد مشروع متحف جوجنهايم أبوظبي للفن المعاصر، الذي سيقام في المنطقة الثقافية على جزيرة السعديات التي يجري تطويرها لتصبح وجهة سياحية عالمية.
وقد حرص سموه على الإشارة، في هذه المناسبة، إلى أن مذكرة التفاهم تعكس عزم حكومة أبوظبي على تقديم منشآت ثقافية ذات مستوى عالمي للمقيمين والزوار على حد سواء، كما تجسّد الالتزام بتعزيز مركز الإمارة كوجهة رائدة على المستوى العالمي ودعم أطر التعاون مع شركائها الاقتصاديين على مستوى العالم. هذه الإشارة تضيء لنا جوانب الطموح الكبير الذي تنطلق منه هذه النوعية من المشروعات في الإمارات، وتفسر لنا السر في الاهتمام الكبير الذي تحظى به في دوائر عديدة نافذة على امتداد العالم.
وإذا اقتربنا من مشروع متحف جوجنهايم أبوظبي كنموذج لهذه النوعية من مشروعات الإمارات، التي وصفناها بأنها الاستثمارات الأكثر قيمة وطموحاً ورُقيّاً ونبلاً، فإننا سرعان ما نضع أيدينا على مجموعة من الحقائق المهمة والدالة في آن:
أـ مشروع متحف جوجنهايم أبوظبي يقام على مساحة ثلاثمئة ألف قدم مربع على لسان اصطناعي يقام خصيصاً في جزيرة السعديات، التي تبعد خمسمئة متر عن شواطئ مدينة ابوظبي، وبهذه المساحة فإنه يعد المتحف الأكبر بين متاحف جوجنهايم الخمسة السابقة المقامة في نيويورك ولاس فيجاس والبندقية وبرلين وبلباو.
ب ـ سيكشف النقاب في نوفمبر المقبل عن تصميمات المتحف في أبوظبي، في إطار معرض يقيمه متحف جوجنهايم عن الفنانين الحداثيين الروس، وهذه التصميمات هي من انجاز المعماري الأميركي ذي الأصل الكندي فرانك جيري، الذي حرص على تأكيد أن موقع المتحف يقتضي منه إبداع نوعية مختلفة من العمارة مقارنة بتصميمه لمتحف بلباو، حيث سيحقق تكاملاً بين زرقة المياه ولون السماء والبحر والشمس. وشدد على أن العلاقة بين الاتجاه الحداثي لمتحف جوجنهايم والتوجهات الفنية لأبناء الخليج ستكون علاقة حوار لا صدام وأن تقاليد المنطقة وأعرافها ستحظى بالتقدير في برامج المعارض وما يقدمه المتحف لجمهوره.
ج ـ الذين يهمهم الجانب الاستثماري في المشروعات توقفوا طويلاً عندما أعلن عنه من أن مبنى المتحف الذي سيفتتح في عام 2012 سيشيد بميزانية مبدئية قدرها 200 مليون دولار، ولكن إذا أضيفت قيمة المعروضات فإن التكلفة الإجمالية ستصل إلى 400 مليون دولار على الأقل، وهذا المشروع ليس إلا جزءا واحداً من مجمل مشاريع السعديات التي تبلغ تكلفتها الإجمالية 27 مليار دولار.
د ـ كان من الطبيعي أن تهتم أجهزة الإعلام العالمية بهذا المشروع، وأن تلقي الضوء بقوة عليه، وخاصة في ضوء ما ذكره سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان من أن المتحف سيكون إضافة متألقة في إطار مجموعة من المشروعات المناظرة على جزيرة السعديات.
هـ ـ توقف الكثيرون على امتداد العالم بالاهتمام عند الحقيقة القائلة: إن المتحف سيضاف إلى نسيج حضري تطويري متكامل، يضم الفنادق السياحية المترفة وملاعب الغولف والعديد من المتاحف الأخرى فضلاً عن مسرح شامل ومتنزه هائل الامتداد.
هذه الحقائق، وغيرها كثير، تتكامل لتقدم لنا إضاءة لمنهاج العمل الذي يتم الانطلاق به في المشروعات الاستثمارية والتنموية في الإمارات.
لكننا هنا أمام استثمار فريد، من حيث انه استثمار في الإنسان، في وعيه، في ذائقته الثقافية والفنية، في قدراته، في مستقبله، من منطلق أن هذا هو الاستثمار الأعلى مردوداً والأقوى في حضوره والأكثر قدرة على الدوام والتأثير في أجيال متتالية.
لهذا، على وجه الدقة، فإننا نتوقع المزيد من هذه الاستثمارات على أرض الإمارات، ونتوقع لها نجاحاً مدوياً بكل المعايير، وأن تتردد أصداؤها عالية على امتداد العالم، وأن تضاف إلى المشروعات الإماراتية التي يدرسها الكثيرون في مختلف العواصم، باعتبارها رصيداً إضافيا جديداً يضاف إلى الرصيد القوي والراسخ من النجاح الذي تحقق على هذه الأرض الطيبة.
رئيس التحرير التنفيذي
جريدة البيان