في الأسابيع القليلة الماضية برزت مؤشرات تؤكد أن الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها بعض الدول العربية خلال العامين الماضيين في طريقها إلى الزوال وأن هناك خطوات تراجعية عنها تعني من دون مواربة أن هناك تراجعاً عن الإصلاح في الوطن العربي.

ويمكن الإشارة في عجالة إلى هذه الإجراءات التراجعية وعلى رأسها بالطبع الصورة التي خرج عليها القانون الجديد لجرائم النشر في مصر، وأيضاً الصورة التي خرج عليها قانون استقلال السلطة القضائية. وتراجع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن قراره بعدم ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية لفترة جديدة من أجل إعطاء الفرصة لعملية تداول حقيقي للسلطة. ومحاولات الحكومة الجزائرية الجديدة إجراء تعديلات دستورية تعطي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الفرصة للترشيح لفترة ولاية ثالثة.

وكافة هذه الإجراءات تتناقض مع الحالة التي انتابت الشعوب العربية بأمل الإصلاح السياسي خاصة مع الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها بعض الحكومات على استحياء. وهذا الوضع يطرح أسئلة جدية حول أسباب نكوص الأنظمة العربية عن الإصلاح الذي بدا حين بدأت هي فيه أنها تقوم به من اجل تكييف مجتمعاتها مع التطورات العالمية وحرصت على أن تؤكد مع كل خطوة أن ما تتخذه لا يأتي بسبب الضغوط الخارجية التي تمارس عليها وإنها خطوات كانت معدة من قبل الغزو العسكري الأميركي للعراق والذي نجحت فيه في إسقاط نظام صدام حسين الذي كان يسيطر عليه حزب البعث العربي.

والراهن أن الحكومات العربية لجأت إلى الخطوات الإصلاحية المحدودة من اجل امتصاص الضغوط الخارجية والتي كانت في اغلبها من الولايات المتحدة الأميركية على خلفية سيطرة تيار المحافظين الجدد على الإدارة الأميركية ونجاحه في الربط بين الوضع العربي الداخلي وبين ما حدث في 11 سبتمبر 2001 وبالتالي نجح في إقناع أعضاء الكونجرس أن هناك فرصاً لتكرار مثل هذه الهجمات مادام الوضع العربي كما هو لا يتغير.

وكان بعض الحكام العرب يراهنون على أن هذا الامتصاص سيكون مؤقتاً وانه بعد ذلك ستضطر الولايات المتحدة للتراجع عن ضغوطها وتم اتخاذ العديد من الخطوات الاحترازية أدت في النهاية إلى التراجع التام عن الخطوات الإصلاحية. وفي مقدمة هذه الخطوات الاحترازية أن الحكومات ربطت بين الإصلاح وبين ضغوط الخارج، الأمر الذي اوجد قطاعاً كبيراً من النخبة الرافضة للتدخل الأميركي في الشؤون الداخلية وخشي بعض المدركين لحيل الحكومات من المطالبة بالإصلاح حتى لا يتهموا بالعمالة للولايات المتحدة.

وبالتالي لم تجد العملية الإصلاحية قوى داخلية قوية للمطالبة بها، أو حتى للدفاع عن الخطوات السطحية التي تمت وبدا الإصلاح بالفعل وكأنه خطوات تتخذ لصالح الخارج وأصبحت هناك قوى داخلية تطالب بالتوقف عن هذه الخطوات لأنها تتم لصالح الغرب ودار السجال العقيم المشهور في الداخل العربي وفي أكثر من دولة حول الإصلاح وهل يتم من الداخل أم بواسطة الضغوط الخارجية وهو ما انتهى في النهاية لأن أصبحت العملية الإصلاحية ذاتها عملية سيئة السمعة لدى المواطن العربي العادي.

يضاف إلى ما سبق أن تيار المحافظين الجدد تراجع تأثيره في السياسة الأميركية مع الولاية الثانية للرئيس الأميركي جورج بوش حيث سيطر تيار يميني محافظ تقليدي ولكنه في نفس الوقت عملي وبراغماتي تعد وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ابرز رموزه. ومع التراجع الذي تشهده الخطط الأميركية في العراق وأيضاً مع ما تشهده عملية السلام العربية الإسرائيلية من تراجع وانتكاس.

أصبح على الولايات المتحدة أن تطلب مشورة ودعم الأنظمة الصديقة لها ومعظم هذه الأنظمة من تلك التي كانت تضغط عليها لإحداث إصلاحات سياسية وكان الثمن المطلوب لهذه الأنظمة هو أن تتوقف الولايات المتحدة عن ضغوطها مقابل أن تقدم هذه الأنظمة المشورة والمساعدات المطلوة وفي النهاية وصل الأمر إلى ما نحن عليه من تراجع عن العملية الإصلاحية ويبدو أن المقايضة قد تمت بين الجانبين على حساب العملية الإصلاحية ذاتها الأمر الذي احدث حالة من الإحباط داخل القوى المطالبة بالإصلاح في كافة أنحاء الوطن العربي.

والوضع الحالي يطرح سؤالاً مهماً لابد من الإشارة إليه وهو هل انتهت العملية الإصلاحية عند هذا الحد أم أن هناك بدائل أخرى مطروحة للعودة به مرة أخرى. وهناك وجهتا نظر بشأن هذا السؤال ترى الأولى أن التراجع صعب في هذه المرحلة ذلك أن الأمر المهم الذي تحقق هو أن الشعوب أصبحت مهتمة بالعملية الإصلاحية، وان حاجز الخوف لديها قد تم تحطيمه وكسره.

وبالتالي فإن ما حدث من تراكم في السنتين السابقتين سوف يؤدي في النهاية إلى خلق قواعد داخلية تطالب بالإصلاح ولن يستطيع احد أن يتهمها بالعمالة أو الانحياز للولايات المتحدة وهذا هو الأمر الذي سيحرر العملية الإصلاحية من ابرز عوائقها وهي أنها تتم لمصلحة أميركية خالصة.

وخلاصة هذا الرأي أن الإصلاح لم يعد مطلباً خارجياً وإنما أصبح ملكاً للشعوب العربية التي لابد وان تبدع آلياتها الجديدة لوضعه ضمن أولويات الأجندة الوطنية في كل دولة عربية على حدة.

أما وجهة النظر الأخرى فهي تقول إن الوضع الإقليمي الحالي هو وضع مؤقت وانه بمجرد زوال تعقيداته وعودة الاستقرار إلى العراق، وعودة العملية السلمية بين العرب وإسرائيل إلى وضعها الطبيعي سوف تعاود الولايات المتحدة ضغوطها على الأنظمة العربية من اجل استكمال مسار العملية الإصلاحية مرة أخرى. ووفقا لوجهة النظر هذه فإن التراجع الذي تشهده العملية الإصلاحية حالياً هو تراجع مؤقت سوف يستكمل في مرحلة لن تتأخر كثيراً.

وبالتالي فإن هناك اتفاقاً بين الجانبين حول أن التراجع الحالي ما هو إلا تراجع مؤقت وبالتالي فإن العملية الإصلاحية لم تنتكس وان كانت الحكومات توحي بذلك لإحباط القوى المطالبة به فأي من السيناريوهين سيتحقق. الإجابة ستكون ضمن تطورات الفترة المقبلة.

كاتب مصري