ورغم عدم رغبتنا في كل مرة الخوض في هوية رؤساء تحرير الصحف والمجلات وغيرها من وسائل الاتصال مع الجمهور مع أهمية تلك المسألة وخطورتها، وعدم الرغبة أيضا في البحث عن مقاصد ذلك التحقيق الذي أراد أن يكون موضوعيا، إلا أن أهم ما جاء فيه هو اعتراف السلطات الإسرائيلية بالعملية النوعية والكيفية التي تمت بها. فقد قام الفلسطينيون بحفر نفق طوله 800 متر وبعمق وصل إلى 9 أمتار تحت الأرض!!

وحسب حسابات مساحي الجيش الإسرائيلي فإن ذلك النفق استغرق حفره عدة شهور!.. وحسب تعليق المسؤول الإسرائيلي، «فلو قدر أنه حصل خطأ بمقدار 7 درجات فقط في وجهة عملية الحفر لأوصل المهاجمين إلى صالة الطعام في معسكر المراقبة ولحدثت مجزرة». وشرح أحد الجنود الذي يرقد في سرير المستشفى بأن المهاجمين الفلسطينيين انقسموا إلى مجموعتين عند خروجهم من النفق الأرضي. وحصل بعد ذلك ما حصل...

لقد أرعبت تلك العملية النوعية السلطات الإسرائيلية وعلى رأسهم رئيس الحكومة إيهود أولمرت و وزير حربه عمير بيرتس (اللذان يعتبران كهواة في فن الحرب في نظر القادة العسكريين الإسرائيليين المخضرمين)... وأصابتهما بالهلع والخيبة... واكتشفوا أن الجدار العازل من الخرسانة المسلحة والذي خطط له شارون من قبل والذي ارتفع (أي الجدار) فوق الأرض مسافة ثمانية أمتار في حاجة إلى جدار عازل آخر ولكن هذه المرة بالمقلوب،

أي تحت الأرض وبعمق 20 مترا! لكي يمنع الفلسطينيين من حفر خنادقهم. وربما احتاجت الحكومة الإسرائيلية بأن تقوم بتغطية مساحة أرض (إسرائيل) بسقف من الخرسانة المسلحة (في هذه الحالة يجب التضحية بضياء الشمس والهواء) لكي تمنع أي هجوم جوي بفنية وتكتيك جديد من اختراع فلسطيني مئة بالمئة. وهذا سيكون الحل الوحيد لحماية أمن إسرائيل بشكل تام!

ما عاد اليهودي أيا كان أصله والذي يسكن هذه الأرض يصدق بعد بنظرية (أمن إسرائيل). فإذا كان بمقدور مجموعة صغيرة من الأفراد حفر نفق بطول 800 متر وبعمق 9 أمتار وقتل واختطاف (جنود) إسرائيليين وليس أطفالا أو نساء أو كبارا في السن، ونقلهم إلى مكان لم تستطع كل أجهزة المخابرات الإسرائيلية ولا الأقمار الصناعية التابعة لها والتي تراقب كل حي وشارع وبيت وحركة كل فرد في فلسطين ولا كل القنابل الذرية التي تملكها إسرائيل ولا جنودها المدججون بالسلاح في اكتشاف حتى موقع الجندي المختطف،

فكيف سيتم التعامل مع ملايين العرب المسلمين المحيطين بإسرائيل من كل جهة وصوب؟ فهؤلاء رغم ضعف الدول العربية المحيطة بها مؤقتاً، وعجزها عن القيام بأي عمل عسكري ضد إسرائيل، إلا أنهم يمثلون قنابل موقوتة على المدى البعيد، خاصة وأن سوق الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية والذرية والتقليدية أصبح رائجة وتباع بأرخص الأثمان، والدليل على ذلك ما يحدث في العراق.

ويوم الأربعاء الأسود، يؤكد مرة أخرى مدى عجز الدفاع الإسرائيلي عن حماية أمن إسرائيل. فضربات حزب الله هزت الكيان من جديد. ووضعت الحكومة الإسرائيلية في موقف لا يحسد عليه. فقلاعها تنهار في الشمال والجنوب، وردة الفعل الإسرائيلية الوحشية وغير المتناسبة والتي تلت كلتا العمليتين لا تنم عن قوة بقدر ما تنم عن تصرفات الضعف والتشتت والانهيار. ولم تكسب من عمليات القتل الوحشي إلا على عزلة دولية تامة وفقدان مصداقيتها خاصة من خلال قصف وقتل المئات من الأبرياء لاستنقاذ جندي أسير واحد.

إن أمن إسرائيل لن تحصل عليه حتى في أحلامها، إلا إذا عادت إلى استخدام العقل والمنطق قبل العضلات والصراخ. وإنها لن تنعم بالاستقرار إلا إذا أعادت لأصحاب الحق حقوقهم كاملة وتامة. إن إسرائيل لا تعرف بأنها مخدوعة من أقرب المقربين إليها. إن مواقف الولايات المتحدة الأميركية وهذه الأيام بعض الدول الأوروبية التي كانت حتى وقت قريب من أقرب المقربين للقضايا العربية والتي تتشدق بالحديث عن (حقوق الإنسان) وهي تصرخ بأعلى صوتها مطالبة الإفراج عن أسير واحد وتسكت عن مقتل الآلاف، هذه المواقف أشبه ما تكون بالسم الذي يدس لها في العسل.

وأن الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية من خلال تصريحات رؤسائها التي تدعم عمليات إسرائيل الحربية وتشجعها عليها، إنما تريد من خلال ذلك بأن تدفعها لمزيد من التورط والغرق في الحروب والمعارك التي لا نهاية لها مع جيرانها. إن هذه الدول لا تقوم مصانعها ومنتجاتها خاصة العسكرية إلا على افتعال الحروب بين الشعوب.

وما دامت الحرب مشتعلة بين إسرائيل وجيرانها، فإن المصانع الحربية الأميركية والأوروبية ومصانعها الأخرى بالنتيجة، ستكون في أمان من الإفلاس ولن تضطر إلى تسريح مئات الآلاف من الموظفين الذين سيجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها بدون لقمة العيش. إن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا تبحث عن أمنها واقتصادها قبل أمن واقتصاد إسرائيل. إلا أن إسرائيل لا تريد أن تفهم استراتيجيات تلك اللعبة. وإلا فإن الولايات المتحدة وحدها قادرة على حل مشكلة إسرائيل والعرب في أقل من ساعة واحدة.

إن الدول التي تعيش حالة حرب، دول ليس لديها الوقت لكي تنتج، وتعتمد بالتالي على منتجات الآخرين. وهذا ما تريده الدول العظمى التي تقوم عظمتها على قوة اقتصادها. وهذه هي الحال في المنطقة منذ قيام دولة إسرائيل. ورغم خسارة العرب المادية والمعنوية والبشرية، إلا أن خسارة إسرائيل أكبر. وفضيحتها أمام العالم باختطاف جنودها من ثكناتهم العسكرية في وضح النهار لا تعادلها أي فضيحة. وبقدر ما لاقى مقاومو حزب الله والمقاومون الفلسطينيون من إعجاب وتصفيق العالم لجرأتهم، بقدر ما لاقى الجنود الإسرائيليون من استهزاء العالم بترسانتهم العسكرية التي أثبتت بأنها لا تجدي أمام بطولة المقاومة.

على إسرائيل أن تحكم عقلها وتبتعد عن الابتزاز الرخيص، وتعترف بأن مصيرها أن تتعايش مع الوضع الذي أرادت أن تضع نفسها فيه. وأن أمنها لن يأتي مجانا. فعليها أن تدفع الثمن. ويجب أن تتيقن بأن مصير تل أبيب مرتبط أولا وأخيرا بالقاهرة ودمشق وبيروت وعمان وليس مع واشنطن وباريس وبون ولندن.

إن أقرب الشعوب إلى إسرائيل هي الشعوب العربية جنسا ولغة ودما وجغرافية وتاريخا واقتصادا، وليست الشعوب الجرمانية أو الهيسبانية أو الأنجلو ساكسونية. وأن عليها أن لا تصدق ما يقوله الغرب لها لتوريطها في مستنقع من الدماء والوحل. وأن عدد الضحايا الأبرياء الذين سقطوا سواء في لبنان أو فلسطين لن يهز شعرة واحدة من إرادة ملايين العرب المحيطين بها وهذا ما أثبتته العمليات الأخيرة. والتي لن تكون الأخيرة فيما تمسكت إسرائيل بسياسة العضلات التي ولى زمانها.

إن صواريخ حزب الله وصلت اليوم إلى عمق اسرائيل، بعد أن كانت لا تتعدى قبل سنوات قريبة بضعة أمتار خلف حدود لبنان، وربما لديها أسرار حربية ومفاجآت جديدة أخرى تجهلها إسرائيل ومخابراتها، فليكن إذا حل قضية الأسرى الإسرائيليين سواء في لبنان أو فلسطين جسرا جديدا لعلاقة أكثر عقلانية وأقل عاطفية.. خاصة وأن 58% من الإسرائيليين حسب المجلة المذكورة يرغبون في حل الأزمة من خلال عملية تبادل الأسرى.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com