منذ بدء العدوان الهمجي الإسرائيلي واسع النطاق على قطاع غزة بدأت تنتابني أحلام غريبة، بعضها أثناء النوم والآخر أقرب إلى أحلام اليقظة. في اليوم الأول وعندما دمر الاحتلال محطات الكهرباء والجسور واجتاح الأرض وحاصر القطاع براً وبحراً وجواً، حلمت أن العرب عقدوا قمة طارئة قرروا خلالها قطع كل أشكال العلاقات مع إسرائيل.
في الحلم الثاني وبعد رؤية أشلاء الأطفال الأبرياء الذين سقطوا بقذائف دبابات وصواريخ طائرات العدو، راودني حلم جديد أن العرب قرروا أيضاً قطع العلاقات مع كل الدول التي تساند العدوان وتمده بالمال والسلاح والدعم السياسي، وإنهم قرروا أيضاً سحب كل ودائعهم المالية الضخمة من بنوك تلك الدول باعتبار أن هذه الأموال تتحول في النهاية إلى رافد مهم يزيد من شراسة أسلحة العدو الموجهة إلى صدورنا وصدور الأشقاء في فلسطين.
وعندما زادت عربدة العدو وخطف ثلث أعضاء الحكومة الفلسطينية والمجلس التشريعي المنتخب ديمقراطياً، حلمت أن البلدان العربية وبعد أن استنفدت كل الوسائل السلمية لردع العدو أقرت إعلان الحرب الشاملة على إسرائيل، وتحريك جيوشها في اتجاه جبهة القتال واستخدام الأسلحة التي علاها الصدأ نتيجة عدم استخدامها منذ استيرادها.
في لحظات اليقظة الفعلية وعندما أدركت أن أياً من هذه الأحلام لم يتحقق وانها أضغاث أحلام، جاءني حلم آخر.. هذه المرة كانت الجماهير العربية تخرج في تظاهرات مليونية حاشدة، تطالب حكوماتها بتفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك ونجدة الأهل في فلسطين، وان هذه الجماهير قررت الاعتصام في الشوارع حتى تتحرك الحكومات.
في الحلم الخامس انتقل المشهد من فلسطين إلى العراق، وكان عبارة عن اتفاق كل الفصائل والطوائف العراقية المتصارعة على وقف العنف الطائفي فيما بينها، وتوجيه كل طاقاتها ضد المحتل الأجنبي، وإعلان التضامن مع الشعبين الفلسطيني واللبناني في مواجهة إسرائيل.
عندما استيقظت ثانية اكتشفت أن الرهان الكامل على الشعوب العربية لم يجد نفعاً كبيراً، فلم يتحرك الشارع العربي.. تحركه الوحيد كان الاحتشاد في الشوارع والساحات بحثاً عن شاشة عرض عملاقة لمتابعة مباريات كأس العالم في المونديال، بعد أن حولهم التشفير إلى ما يشبه الأيتام على موائد اللئام.
أقنعت نفسي بان الغلو في الأحلام ليس مفيداً للصحة العامة، لأن نتائجه العكسية قد تكون مدمرة، فقررت الاقتصاد في الأحلام، وان تكون قدر المستطاع أقرب إلى الواقع، وهكذا كان، وبالفعل فقد حلمت في اليوم التالي لهذا القرار بقمة عربية تناشد الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والصين بالضغط على إسرائيل لوقف العدوان، لكن حتى هذا الحلم لم يتحقق..
فانخفضت التوقعات وراهنت على اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب... لكنه مازال رهن المشاورات، وحتى مساء الخميس لم يكن حتى المندوبين في الجامعة العربية قد اجتمعوا. أقنعت نفسي بأن قيام العرب بإمداد الفلسطينيين بالغذاء والدواء قد يكون كافياً في هذه المرحلة.. لكنني تذكرت أن إسرائيل وخلفها أميركا وبعض العرب قرروا قبل فترة معاقبة كل الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي بانتخاب حكومة شرعية، وأن الحكومات العربية فشلت في تحويل حتى أموال التبرعات الشعبية للفلسطينيين.
في يوم الخميس، أي قبل يومين عاودتني الأحلام الكبرى مرة أخرى عندما شاهدت طيران العدو يدمّر مطار بيروت وجسور لبنان وبنيته التحتية، ما يعيد للذاكرة أيام الاجتياح عام 1982، وهكذا حلمت مرة أخرى بتحرك عربي على مستوى الحدث. لكن أياً من ذلك لم يتحقق.
بعيداً عن الأحلام، فإن الواقع كان يقول إن بعض الفلسطينيين ربما كان سعيداً وهو يرى حكومة حماس تحت الحصار الموجع، وأن كثيراً من اللبنانيين صرح علناً بأن المقاومة مخطئة وأن إسرائيل على حق في عدوانها البربري على لبنان، أما العراقيون فكانوا مشغولين تماماً بقتل بعضهم البعض على الهوية، والمجتمع الدولي متمثلاً في أميركا أعطى كل الدعم لإسرائيل كي تعيث فساداً في الوطن العربي،
وغالبية حكوماتنا انشغلت بالمشاورات التليفونية بحثاً عن التهدئة، ومعظم شعوبنا انشغل بالمكان الذي سيقضي فيه إجازته الصيفية. عند هذا الحد قررت البحث عن أي دواء يوقف الأحلام، أو حتى يبقيها عند الحد الأدنى جداً، وهو صدور قرار عربي يشجب العدوان. هل وصلنا إلى مرحلة نفتقر فيها حتى للشجب.. تلك البضاعة التي اخترعناها، ثم صرنا عاجزين حتى عن إعلانها!.
emadiraqi@yahoo.com