في وضع مريح إقليمياً ودولياً، كما عبرت عن ذلك وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسفي ليفي خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة يوم الأحد الماضي التاسع من هذا الشهر، انتقلت إسرائيل في عدوانها المركز على قطاع غزة إلى المرحلة الثانية التي تميزت بتقدم الدبابات الإسرائيلية إلى وسط القطاع لتقطعه إلى نصفين وبقصف جوي على منزل مكون من ثلاثة طوابق في حي الشيخ رضوان بغزة، فيما هي تعلم أن المنزل مشغول بسكان مدنيين سقط منهم ستة شهداء بينهم أطفال ونساء وأربعه مفقودين فضلاً عن عدد كبير من الجرحى.

كان الانتقال إلى المرحلة الثانية من العدوان هو الجواب السياسي والعملي الذي أقرته الحكومة الإسرائيلية ردا على اعتراف وزير الدفاع عمير ميرتس بفشل حملة «أمطار الصيف» في تحقيق أهدافها، الأمر الذي ترتب عليه رفض أي مبادرة تفاوضية لمقايضة الجندي الإسرائيلي الأسير بما في ذلك المبادرة التي طرحتها الحكومة الفلسطينية، وعدم تحديد سقف زمني لا للحملة العسكرية ولا للأهداف التي تريد إسرائيل تحقيقها وقد بات مؤكدا أنها تتجاوز أزمة الجندي المخطوف، وسقوط صواريخ فلسطينية محلية الصنع على بلدات في إسرائيل.

وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني كانت قد أشارت إلى ان المجتمع الدولي يتفهم الحملة العسكرية الإسرائيلية، فيما يتأكد ذلك من واقع ضعف ومحدودية التحركات العربية الرسمية والشعبية المناصرة للفلسطينيين، ومن امتناع الكتل الدولية الفاعلة عن إدانة الفعل الإسرائيلي، أو حتى توجيه انتقادات له.

الولايات المتحدة الأميركية كانت أكثر صراحة في دعمها للعدوان الإسرائيلي حيث رفض ممثلها في الأمم المتحدة جون بولتون الاقتراح القطري باسم المجموعة العربية إلى مجلس الأمن، والذي جرى تعديل صيغته الأولى ليتضمن المطالبة بالإفراج دون شرط عن الجندي الإسرائيلي، يقابله انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة.

الرفض الأميركي للمبادرة القطرية يقدم إشارة أخرى إلى أن موضوع الجندي الإسرائيلي ليس سوى ذريعة تجاوزتها الأحداث على الأرض لتصل إلى حد الرغبة في إخضاع الفلسطينيين لعقوبات قاسية بسبب خيارهم الديمقراطي ولتعطيل هذا الخيار بوضع الفلسطينيين أمام خيارين، فإما تلقي المزيد من العقوبات حتى لو أدى ذلك إلى وقوع كارثة إنسانية وهو ما يحصل فعلياً، وإما التخلي عن حركة حماس التي عليها أن ترحل عن السلطة، ما لم تستجب للشروط التي سبق وطرحتها دول الرباعية الدولية وإسرائيل.

وقد بدا واضحاً أن الخطوات والرسائل الاعتدالية المتدرجة التي طرحتها حكومة حماس خلال فترة وجيزة من عمرها، لم تكن كافية لإقناع الرباعية الدولية بأهلية حركة حماس كنموذج للحركات الإسلامية الأخرى في المنطقة العربية لكي تصبح لاعبا سياسيا رئيسيا في تكوين هذه المنطقة التي تتطلع الولايات المتحدة إلى إعادة صياغتها وفق مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي قدمته في العام الماضي.

حركة حماس التي التزمت أكثر من غيرها من الفصائل الفلسطينية بالتهدئة وامتنعت عن إعادة تفعيل العمليات الاستشهادية داخل المدن الإسرائيلية، رغم استمرار حملة «أمطار الصيف» لأكثر من أسبوعين ورغم أنها أيضا وافقت بعد تعديلات على وثيقة الوفاق الوطني التي قدمتها تيارات الحركة الفلسطينية الأسيرة،

هذه الحركة تمنعها جملة من العوامل المرتبطة بطبيعتها وارتباطاتها وتاريخها عن الاستجابة الفورية للشروط الدولية والإسرائيلية التي تطالبها بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ووقف العنف، فضلاً عن الاعتراف بالاتفاقيات السابقة التي وقعتها مع إسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية.

هكذا يمكن أن نتصور مستقبل حركة حماس والسلطة والأراضي الفلسطينية عموماً وكأنها في دائرة الاختبار الصعب، فهي إما أن تظل هدفا دائما للسياسة الإسرائيلية والحصار الدولي المضروب عليها وإما أن ترفع الرايات البيضاء عاليا وتستجيب للشروط الدولية بوضوح ومباشرة بدون مواربة.

جواب حماس على كل هذا المنطق وعلى انتقال العدوان الإسرائيلي إلى مرحلته الثانية صباح الاربعاء 12 يوليو، جاء في بيان لكتائب القسام تضمن نصاً يقول إن القوات الإسرائيلية غيرت قواعد اللعبة وتجاوزت الخطوط الحمر، ووعد البيان بأن كتائب القسام هي التي ستحدد قواعد اللعبة في المرحلة المقبلة.

ووفقاً لما هو متوقع ومتاح فان بيان القسام يعني إعادة تفعيل كل وسائل المقاومة المعروفة سابقا بما في ذلك، وربما أساساً معاودة القيام بالعمليات الاستشهادية داخل إسرائيل فضلا عن استمرار إطلاق الصواريخ والعمليات العسكرية.

على أن الجواب الأسرع والأقوى على مبادرة إسرائيل لتغيير قواعد اللعبة والانتقال بعمليتها إلى المرحلة الثانية جاء من جنوب لبنان، حيث اشتعلت جبهة الحدود الفلسطينية اللبنانية إثر سقوط عدد من صواريخ الكاتيوشا على منطقة الجليل الغربي شمال إسرائيل، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى إسرائيليين من بينهم جنود، والأهم نجاح حزب الله في أسر جنديين إسرائيليين.

أسر جنديين إسرائيليين من قبل حزب الله بالإضافة إلى الثالث الموجود بحوزة حركة حماس، فضلاً عن اشتعال الجبهتين في شمال إسرائيل وجنودها، يخلق ويفرض تداعيات كثيرة على مختلف المستويات.

فعلى المستوى الإسرائيلي يترتب على الحكومة الاعتراف مرة أخرى بالفشل الذريع فبعد فشل حملتها العسكرية على قطاع غزة في استعادة الكرامة المهدورة للجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية والاستخبارية، يأتي فشلها في حق الصراع داخل فلسطين وفي حماية جنودها من الاختطاف ومواطنيها في الشمال من القصف.

في مواجهة المستجدات سيكون على حكومة أولمرت أن تواجه المزيد من الضغوطات والانقسامات الداخلية التي قد تهز الحكومة من جذورها، سواء واصلت حملتها العسكرية الفاشلة أو أذعنت لمطالب وشروط حزب الله وحركة حماس بشأن إبرام صفقة تؤدي إلى الإفراج عن الجنود الإسرائيليين الثلاثة. في هذه الحالة سيترتب على إسرائيل أن تنتظر من الجانبين الفلسطيني واللبناني شروطاً أصعب وأكثر من تلك التي طرحتها حركة حماس، الأمر الذي يضاعف حجم الخيبة والذل الذي ستصاب به إسرائيل بمختلف مستوياتها العسكرية والأمنية.

على الصعيد الفلسطيني تكون حركة حماس قد عززت من شعبيتها ومن مواقعها في الحكم، وفي وجه الشروط التي طرحتها الرباعية الدولية وإسرائيل وبما يمكنها من تعزيز حضورها السياسي فلسطينيا وإقليميا ودولياً، وإعادة صياغة وترميم السياسة الفلسطينية إزاء مستقبل العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية وعملية السلام. هذا النجاح لحركتين إسلاميتين هما حركة حماس وحزب الله، من شأنه أن يشعل الضوء الأحمر أمام العديد من الأنظمة العربية التي تخشى تصاعد دور الجماعات الإسلامية،

وفي الوقت ذاته يشعل الضوء الأخضر أمام الجماهير الشعبية وأحزاب وقوى المعارضات العربية، خصوصاً منها ذات الطابع الإسلامي، ونحو تصعيد نشاطاتها التضامنية مع الفلسطينيين، حتى لو أدت إلى تصعيد أشكال معارضتها للأنظمة السياسية الحاكمة.

دولياً فإن التصعيد النوعي في المجابهة من شأنه أن يفعّل الوساطات لمساعدة إسرائيل، وبهدف إعادة ضبط الأوضاع حتى لا تؤدي إلى تعميم حالة الفوضى في المنطقة وتهديد المصالح الأميركية والغربية عموما.

المرحلة الجديدة من العدوان الإسرائيلي شكلت فعليا مرحلة جديدة في المجابهة تفقد خلالها إسرائيل المبادرة وحتى توازنها، وهي مرحلة جديدة من الفشل الإسرائيلي لا يبدده قيام قوات الاحتلال بضربات عشوائية وحشية ستتخذ طابعا استعراضيا، ولن تفلح في رد بعض ماء الوجه للسياسة الإسرائيلية وجيشها الذي لم يعد يحتفظ بتلك الهالة الكاذبة التي جعلته لبعض الوقت «الجيش الذي لا يقهر».

العدوان الإسرائيلي فعلا يدشن مرحلة جديدة في الصراع بكل معنى الكلمة، ومضمونها سيترتب عليه تغيير استراتيجيات وأدوات واليات لا على المستويين الفلسطيني والإسرائيلي وحسب، بل أيضاً على المستويين الإقليمي والدولي. لقد بددت سواعد الفلسطينيين واللبنانيين أوهام «أمطار الصيف» التي أرادتها إسرائيل وكانت تستهدف تهديد وتبديد حقائق الحياة الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com