فُقد الأمن في العراق وخاصة في بغداد، ولم تعد الخطة الأمنية التي وضعتها حكومة السيد المالكي ذات جدوى، وازدادت الهجمات المسلحة المتبادلة بين الجميع وأصبح القتل على الهوية مألوفاً، ولم يعد أحد يعرف من الذي يقتل، خاصة وأن القتلة يرتدون لباس الشرطة ورجال الأمن ويستعملون سياراتهم ويشارك معهم أحياناً الشرطة ورجال الأمن أنفسهم بعد أن تحول بعضهم إلى قتلة بالإيجار (حسب تقارير وزارة الداخلية العراقية التي سجلت أربعمئة مخالفة من هذا النوع)،
وشارك المتطرفون والطائفيون في العمليات الإجرامية وكذلك الإرهابيون والعصابات المسلحة التي تقتل وتغتصب وتنهب إضافة إلى الميليشيات التي غدت أقوى من الجيش والشرطة. لقد اختلط الحابل بالنابل في العراق، وتداخلت مصالح الفاسدين والمتطرفين والتكفيريين والطائفيين والسياسيين والمحتلين وأصبح الطيف واسعاً يضم فئات عليا عراقية سياسية واقتصادية وقادة عصابات و(مافيات) ذات مصالح في استمرار عمليات القتل والتهجير والفوضى لأنها تحقق لكل منهما هذه المصالح.
يقف جيش الاحتلال الأميركي عاجزاً عن منع الجرائم وفرض الأمن دون أن يعلن إفلاسه، ويعجز عن ذلك أيضاً الجيش العراقي وقوات الشرطة والأحزاب والفئات السياسية، وتهاوت المبادرات العديدة والتحالفات وخطابات التهدئة والثرثرة بالديمقراطية والحديث عن المصالحة الوطنية وأفلست جميعها،
في الوقت الذي تزداد فيه الفوضى يوماً بعد يوم وتزداد غزارة الدم العراقي المهدور ويتضاعف عدد المهجرين داخلياً والمهاجرين إلى خارج البلاد، فضلاً عن تفجير دور العبادة لإعطاء التخريب والجرائم صفة الطائفية وصفة (القدسية) وتستمر بذلك أغنية الشيطان إلى مالا نعرف نهايته.
كان العراق قبل الاحتلال شريكاً في المواجهة العربية وعمقاً استراتيجياً لها فخسر العرب بسبب الاحتلال دوره هذا، ثم خسروا إمكانيات التحول الديمقراطي التي أصبح العراق مَثَلها الأسوأ ثم ما لبث الأمر أن زاد سوءاً فأصبح العراق عبئاً على نفسه وعلى العرب جميعاً، وبؤرة متفجرة قد يطال تفجيرها بلداناً عربية أخرى لأن مجتمعات هذه البلدان من نسيج واحد ومن المستحيل منع تأثرها بما يجري في العراق،
وعندها ستحل الطامة الكبرى ويغيب الأمن عن المنطقة برمتها أو على الأقل سيهتز هذا الأمن فيها، لأن أحداً لا يستطيع منع تأثيره الكارثي على المجتمعات المجاورة وطوائفها وإثنياتها ومواطنيها، ولعل العاقل في هذه البلدان لا يستهين بهذه الاحتمالات السوداء التي تهدد الحاضر والمستقبل.
لم تعد تنفع النوايا الحسنة والكلمات البليغة والمجاملات السياسية ومؤتمرات دول الجوار ورعاية الجامعة العربية وفتح العرب السفارات في بغداد وإنكار الفئات السياسية العراقية ممارساتها الطائفية، فالأمر أكثر خطورة من كل هذا اللغو ولم يعد الوضع يحتمل التأجيل أو التأخير أو السكوت على ما يجري، وخاصة السكوت على مزاعم الإدارة الأميركية بحلول الديمقراطية وتحسن أحوال الأمن.
عقدت عدة مؤتمرات لدول الجوار كان آخرها مؤتمر طهران في الأسبوع الماضي وأصدرت جميعها بيانات عامة تطالب بإعادة الأمن إلى العراق والبدء بعمرانه ولم تقل لنا كيف ولا بمن، وكان واضحاً أن كل طرف من أطراف المؤتمر له رأي قد يتناقض مع رأي طرف آخر أو مع رأي الأطراف الأخرى، ولم يحاول أحد في المؤتمر أن يكون صريحاً ويضع يده على جرح العراق وعلى المخاطر المحتملة على جواره
وبدل ذلك أصدر المؤتمر بياناً باهتا لا يفيد أحداً ولا يغير أو يبدل، فلم يضع برنامجاً مفيداً ولم يحاول إلزام الحكومة العراقية بإثبات استقلاليتها وحقها السيادي الذي زعم الأميركيون منذ عام ونيف أنه عاد إليها وبقي كل من الجوار يغني على ليلاه ويبحث عن مصالحه الذاتية ويتجاهل المخاطر التي تحيق بشعب العراق وبالمجتمعات العربية إذا ما انتشرت بقعة الزيت وتفشت.
لقد أصبح واضحاً عدم قدرة جيش الاحتلال الأميركي على إحلال الأمن وتحقيق المصالحة الوطنية وإعادة آلة الدولة ومؤسساتها للعمل والبدء بإعمار العراق الذي دمرته الحرب والحصار من قبلها، كما هو واضح أيضاً عجز الفئات السياسية الحاكمة الآن عن تحقيق هذه الأهداف لأن الهم العام لا يشغلها بل تشغلها أهداف أخرى مختلفة أقلها مصالحها وامتيازاتها ومكتسباتها وخدمة حلفائها في الخارج
أو إثنياتها وطوائفها في الداخل على حساب وحدة العراق وأمن شعبه ومستقبل مجتمعه وغدت الظروف برمتها معادلة مستحيلة الحل بشروطها القائمة، ذلك أن الصعوبات تتفاقم ويتسع نطاق الرمال المتحركة والفتنة مرشحة لتطل برأسها على بعض البلدان العربية الأخرى وتولد فتنا لا حصر لها، وعند ذلك تكون الأمة بدأت تغرق في هذه الرمال المتحركة ولا يعلم إلا الله إن كانت ستنجو منها.
لم تعد المسألة العراقية مسألة عراقية داخلية صرفة لها بعض التأثيرات على البلدان العربية بل غدت تؤثر مباشرة على المجتمعات العربية، وإن كانت القضية الفلسطينية، ومازالت رغم مأساويتها توحد الموقف العربي أنظمة وشعوباً فإن القضية العراقية مؤهلة لنقل الفتنة إلى المجتمعات العربية الأخرى والتأسيس للعنف داخلها وتفتيت الأمة وإعادتها إلى ما قبل عصور الانحطاط، أي إلى عصر القبيلة والطائفة والإقليم وتعدد المرجعيات وانعدام مفهوم الدولة لا بمعناه الحديث فحسب بل بأي معنى آخر.
إن التدخل العربي المسؤول والجاد والمتحرر من الضغوط الأميركية غدا ضرورة لا غنى عنها، ولاشك أن العرب قادرون على مواجهة مسؤولياتهم تجاه ما يجري هناك إن امتلكوا إرادتهم، سواء بالضغط على القوى الداخلية العراقية ووضعها أمام مسؤولياتها أم بالضغط على القوى الخارجية
ووقف تدخلها المالي والمسلح و(الميليشياوي) بشؤون العراق أم أخيراً بإقناع الأميركان بإيقاف تشجيع هذا ضد ذاك ودعم هذا على حساب ذاك، والاستمرار بسياسة «فرق تسد» وترك المجال للإسرائيليين ليزيدوا الدمار دماراً ويؤسسوا لنفوذ فعال لهم في العراق ما حلموا يوماً بمثله، والكل يعرف النفوذ الحالي للشركات الإسرائيلية ولفرق الموساد وغيرها، لكنه يتجاهل.
ما حك جلدك مثل ظفرك، ولعله لن يستطيع حل مشكلة العراق سوى التدخل العربي متعدد الجوانب الجاد والمسؤول والكفيل بإقناع فئاته السياسية والثقافية والإثنية وغيرها بالجلوس على طاولة الحوار والوصول لتوافقات وطنية ومصالحة وطنية، وتقتضي الحكمة أن نرى الخطر القادم قبل وصوله فلم يعد العراق وحده مهدداً بالحرب الأهلية بل أن بلداناً عربية أخرى مهددة باستقبال الشرارة واشتعال الفتنة وسيادة العنف الذي له ألف أب وأم.
كاتب سوري