منذ أربعة وعشرين عاماً، في العام 1982، اجتاحت «إسرائيل» لبنان وتوغلت جيوشها في أراضيه من كل الجهات، حتى احتلت العاصمة بيروت وقصر الرئاسة فيها، وأخذ شارون من هناك يهدد ويتوعد الفلسطينيين وأولهم ياسرعرفات، ولذلك كان ينطلق في طلعات جوية كل صباح بطائرته الحربية بحثاً عن عدو «إسرائيل» التقليدي أبوعمار الذي لم يتقن في حياته فناً كفن الاختباء وتغيير أماكن الإقامة والتحليق في الجو، وبقي شارون ما بقي في لبنان ثم خرج، بينما ظل عرفات على قيد الحياة يقذف في وجوه الإسرائيليين تلك الجمل التي لا يطيقونها عن شعب الجبارين الذين لا تهزهم الريح.

لم يستطع شارون رغم سيطرته على الأجواء اللبنانية وامتلاكه أقوى طيران في العالم، أن يعثر على عرفات، ولا أن يطيل مكوثه في لبنان، وحتى تلك الدويلة المسخ التي خلقوها على الشريط الحدودي بقيادة أنطوان لحد لتشكل فرقة كلاب بوليسية تحمي الشمال «الإسرائيلي» على حساب الوطن الأم، لم تستطع البقاء إلى الأبد، فانهارت عام 2000 عندما انسحب الإسرائيليون من الجنوب وفرّوا ككلاب مذعورة بفعل صلابة المقاومة وصلابة الحق!

بعد أربع وعشرين عاماً، ذهب فيها شارون وجاء أولمرت، ها هي «إسرائيل» تريد أن تعيد سيناريو 1982، ولكن ليس انتقاماً من الفلسطينيين ولا بحثاً عن رأس عرفات، هناك رأس أكبر تريده «إسرائيل» أن يقطع وأن يغادر الدنيا هذه المرة، إنه رأس المقاومة اللبنانية في الجنوب اللبناني، وقد اختارت بداية موسم الاصطياف لأسباب معروفة، واتخذت من أسر الجنديين ذريعة، تماماً كما كان اختطاف الجندي جلعاد في فلسطين ذريعة لاجتياح غزة، السيناريو واحد والرسالة واضحة تماماً، لكنها يجب أن تكون مرفوضة!

الرسالة لحماس: «أعيدوا الجندي المختطف بلا شروط ولا مساومة»، والرسالة لحزب الله «أعيدوا الجنديين المأسورين بلا شروط ولا مفاوضات»، أما الرسالة الكبيرة لكل العرب فهي «اجلسوا على مقاعدكم صامتين مؤدبين كطلاب الابتدائية، ولا تتكلموا إلا حين يأذن لكم الأستاذ الأكبر، الزعيم الأوحد، القوي الذي لا يجب أن تمس هيبته أبداً، ولا هيبة أحد من رعاياه وجنوده». هذه هي الرسالة المرفوضة تماماً من الشارع العربي، ولكن هل هي مرفوضة من قبل بعض الأنظمة العربية يا ترى؟

الحكاية ليست حكاية جنود ثلاثة فقط، لكنها إشارة إلى أنكم أيها المواطنون العرب جميعاً في كل الوطن العربي، برجالكم ونسائكم وأطفالكم وجيوشكم ومدنكم وقراكم وحكوماتكم وإعلامكم ونفطكم وثرثرتكم الفارغة، لا تساوون شيئاً أمام جندي من جنود «شعب الله المختار»، وعليكم أن تختاروا بين طريقين: أن تسكتوا وتقبلوا بالذل والإهانة والمهانة وبكل شروطنا وعجرفتنا في مقابل السلام والهدوء،

أو ترفضوا وتحتجوا وترفعوا أيديكم لتصفعوا العملاق على وجهه، وساعتها فكل الوطن العربي عليه أن يدفع ثمن الصفعة! حزب الله قرر الرد على الرسالة «الإسرائيلية» كما قرر شباب فلسطين، وقرار بهذا الحجم لا بد أن يكون له ثمن، ولكن من قال إن فلسطين ولبنان فقط عليهما دفع الثمن نيابة عن الأمة كلها؟؟!.

sultan@dmi.gov.ae