في البيان الختامي الذي صدر عن القمة الأوروبية ـ الأميركية التي عُقدت في فيينا في الحادي والعشرين من يونيو المنصرم، أكد المؤتمرون على أن من أولويات استراتيجيات العصر الحالي التي يلتزمون بها هي تنمية وتعزيز النهج الديمقراطي في العالم وزيادة الجهود لإقرار السلم والأمن في ربوعه وتعزيز قيم الحرية واحترام القانون وحقوق الإنسان، وأكد البيان على ضرورة تقبل الثقافات المتنوعة واحترام مختلف المعتقدات والأديان وملاحظة أهمية الحوارات بينها.
ليس في ما ورد في هذا البيان ما لا يمكن توقعه واستنتاجه، وهي أمور لا يختلف عليها اثنان وديباجة لا بد منها لبيان على هذا المستوى من الأهمية، إلا أن هذا الإطار العام من الأهداف لا يشير في الحقيقة إلى وسائل تنفيذها، وهذا ما اظهر في السابق خلافات عميقة بين الأوروبيين والأميركان طفت على السطح في مناسبات عديدة.
عُقدت هذه القمة وسط أجواء غير مريحة للولايات المتحدة، حيث ألقى حادث «انتحار» المعتقلين الثلاثة في معتقل غوانتانامو ظلاله على المؤتمر في الوقت الذي تواجه الولايات المتحدة صعوبات متزايدة في العراق وتتصاعد في الوقت نفسه المقاومة المسلحة في أفغانستان مضيفة بذلك المزيد من الإحراجات لحكومات الدول التي أرسلت قواتها إلى هذين البلدين.
لقد ركز المسؤولون الأميركيون في تصريحاتهم التي سبقت عقد القمة بأنها ستتناول المحاور التي يتعاون ويتفق الفرقاء المجتمعون حولها، كتعزيز النهج الديمقراطي في العالم والموقف من البرنامج النووي الإيراني، وغير ذلك مما يشغل الحلفاء عبر الأطلسي. فقد حرص المستشار الأميركي لشؤون الأمن القومي ستيفن هادلي على التركيز على وحدة الموقف عبر الأطلسي في تأكيد حازم بأن إيران لن تستطيع اختراق جدار التحالف الأوروبي الأميركي المتعلق بالملف النووي الإيراني.
وحينما يصرح مسؤول كبير بمثل ذلك فهنالك ما يحتاج إلى الترميم في العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. وكان لقاء القمة هذا إحدى الفرص المهمة لترميم العلاقات بين طرفي الأطلسي التي تكدرت كثيرا بفعل إقدام الولايات المتحدة وبريطانيا على احتلال العراق عام 2003.
إلا أن القادة الأوروبيين فاجأوا الأميركان بطرحهم محاور أخرى تثير الخلاف، منها ما يتعلق بالموقف من الدعم الذي يُقدم للقطاع الزراعي، ومسألة شمول رعايا الدول التي انضمت مؤخراً للاتحاد الأوروبي بالامتيازات التي يتمتع بها رعايا الدول القدامى في التعاملات مع الولايات المتحدة.
إلا أن ابرز القضايا التي طرحت هي قضية معتقل غوانتانامو السيئ الصيت، حيث أعلنت بريطانيا، اقرب الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة، انضمامها إلى الدول المعارضة لاستمرار وجود هذا المعتقل والمطالبة بإغلاقه. وفي الحقيقة لم يكن موقف الرئيس الأميركي واضحاً فقد أشار إلى انه ينتظر قرار المحكمة العليا بشأن شرعية مثول المعتقلين في هذا المعتقل أمام محاكم عسكرية، وهذا ما لم تقره المحكمة العليا في قرار صدر مؤخراً، مما جعل الإدارة الأميركية تبحث عن وسائل للالتفاف على قرار المحكمة مبقية بذلك خلافاتها مع الأوروبيين في هذا الشأن.
من الملفت للنظر مقدار التردي في العلاقات الأوروبية الأميركية بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، التي قربت كثيراً الأوروبيين من الولايات المتحدة، فقد كتبت صحيفة لوموند الفرنسية في صدر صفحتها الأولى استجابة لحدث ذلك اليوم «نحن الآن جميعا أميركان».
إلا أن ما شهدته السنوات الأخيرة من الأحداث والمواقف المتشنجة البعيدة عن المرونة للولايات المتحدة، قد غير الكثير من معالم صورتها في أوروبا، ويمكن الاستدلال على ذلك من السؤال الذي وجهه احد الصحافيين للرئيس بوش في المؤتمر الصحافي الذي عُقد بعد صدور البيان الختامي لقمة فيينا «على الرغم من الحديث بأن إيران وكوريا الشمالية تسعيان لامتلاك السلاح النووي،
إلا أن معظم الأوروبيين يرون أن الولايات المتحدة هي الخطر الأكبر على الاستقرار في العالم، فما هو رأيك في ذلك؟». فلم يكن أمام بوش الذي ظهر الكدر بوضوح على ملامح وجهه إلا الادعاء بسخف هذا الاتهام مؤكداً أن الولايات المتحدة تنسق مع شركائها دعمها للنهج الديمقراطي.
لقد حرصت أوروبا على الحفاظ على مرونة متميزة في سياساتها الخارجية، إذ رغم أن ابرز دولها، ألمانيا وفرنسا، وقفتا بصراحة ضد احتلال العراق إلا أنهما فضلتا التعايش مع ما حدث والتعاون على مستويات مختلفة لدعم الحكومة العراقية المنتخبة. وفي الحقيقة فإن المرونة التي أبدتها هاتان الدولتان في تعاملهما مع الولايات المتحدة تعكس تخوفاً من زيادة عزلة الأخيرة وما قد يترتب على ذلك من تداعيات في مناطق عديدة من العالم ليست في صالح احد.
يرى بعض المراقبين أن عصر سيادة الصقور في الإدارة الأميركية على وشك الغروب، فالصراع بين الخارجية الأميركية والبنتاغون، الذي بدا في زمن كولن باول وزير الخارجية السابق والذي أدى إلى إزاحته في فترة بوش الرئاسية الثانية، عاد من جديد في زمن الوزيرة رايس، فقد بدا دور الوزيرة الجديدة في الصعود مزيحاً، ولو مؤقتاً، سياسة القوة والهيمنة التي ينتهجها نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد لصالح توجه دبلوماسي لم يتأت للإدارة الأميركية من منطلق القناعة بأهميته وفاعليته قدر ما أتى من منطلق الرغبة في تخفيف العزلة التي بدأت تحيق بالموقف الأميركي في الشرق الأوسط.
وهذا ما يفسر إقدام الولايات المتحدة على المشاركة مع أوروبا في تقديم حزمة المحفزات التي عرضت أمام إيران لقاء تخليها عن تخصيب اليورانيوم. وذلك يعني تقارب الأميركان مع الموقف الأوروبي وليس العكس، فأوروبا كانت منذ بداية الأزمة ضد مبدأ استخدام القوة مع إيران وهي أميل إلى الدبلوماسية الطويلة الأمد، فالعرض الذي قدم إلى طهران يعبر عن تحول كبير في الموقف من الملف النووي الإيراني، اذ فيه من المحفزات أكثر مما فيه من تهديدات مما يجعله بمثابة رسالة سلام وتفهم.
ويرى المراقبون أن بعض الدفء في العلاقات بين طرفي الأطلسي قد عاد في إطار جديد فرضته أوروبا، إذ لم يَغب عن الراصدين ملاحظة أن الولايات المتحدة كان عليها الرجوع إلى الاستراتيجية الأوروبية فيما يتعلق بإيران، فقد أعاد الأوروبيون القناعة لقادة الولايات المتحدة بأنهم قوة لا يستهان بها في تقرير مستقبل العالم وتعيين مسارات السياسة الدولية، فهم أكثر تفهماً لتضاريس الشرق الأوسط السياسية من الولايات المتحدة.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae