أصبح الشارع العربي يرى بوضوح مدى الضياع الذي لحق بقضايا أمته نتيجة سوء إدارة بعض القيادات العربية. وعلى رأس هذه القضايا ما يحدث في العراق وفلسطين، والموقف من السياسة الأميركية في المنطقة بشكلٍ عام. ولا شك أن معظم الأحداث والتطورات العربية الراهنة ارتبطت وما زالت بثلاثة محاور رئيسية: المحور العربي، المحور الإسرائيلي، والمحور الأميركي.

وبينما نجد أن المحورين الأميركي والإسرائيلي هما في حالة تكامل وتنسيق عمرها من عمر الدولة الصهيونية، نجد المحور العربي في حالة تشرذم وصراعات وتباين في المواقف والمصالح بين أكثر من 20 دولة عربية.

أيضاً، بينما يتميز المجتمع الأميركي و«المجتمع الإسرائيلي» بحيوية سياسية داخلية تتغير في حصيلتها الحكومات والرؤساء عبر الاقتراع الشعبي، نجد المنطقة العربية تعيش حالة الركود السياسي والتواصل غير الطبيعي لأشكال مختلفة من الحكم والحكومات.وبينما نقرأ تصريحاتٍ لمسؤولين حكوميين عرب عن «احترامهم لإرادة الشعوب الأخرى في اختيار حكوماتها وقادتها»، فإنّنا لا نسمع منهم تأكيداً مماثلاً لاحترام إرادة الشعوب العربية في اختيار حكوماتها!.

ووجه الغرابة في هذه المقارنات بين المحاور الثلاثة، أنَّ كلاًّ من الأمَّة الأميركية و(الدولة الإسرائيلية) قامتا أصلاً على قهر شعوب آخرين والاستيطان مكانهم بواسطة القوة والعنف، ثم بنت هذه «الأمم» الجديدة مجتمعات مركبة من جماعاتٍ بشرية قادمة من أمم أخرى متنوعة في ثقافاتها ونظمها السياسية والاجتماعية، كما نجحت في بناء مؤسسات دستورية حافظت على استمرارية هذه «الكيانات» الجديدة المصطنعة، وطبّعت العلاقة إلى حد كبير بين الفئات المتعددة المنتمية إلى «الكيان» الجديد، فأوجدت «هويةً» جديدة مشتركة لـ «أمَّة» جديدة مصطنعة.

أمَّا على الصعيد العربي، فإنَّ الأمَّة الواحدة ذات الثقافة الواحدة والتاريخ المشترك، تتصارع في داخلها الآن جماعات وكيانات فئوية، وتتهجّر من أرضها كفاءات وعقول وخيرات، وتتعمّق في مجتمعها الواحد دعوات لمزيد من الانقسامات على أسس عرقية أو طائفية أو حتى مناطقية أحياناً.. وتتنازع فيها الآن «هويّات» جديدة على حساب الهويّة الوطنية، فكيف بالهويّة العربية المشتركة؟!.

لكن، ونحن في مجال المقارنات بين المحاور الثلاثة، نتساءل ما الذي جعل «المصطنع» يتحوّل إلى طبيعي مستقر، ثم ما الذي جعل «الطبيعي» يترنّح ويبحث عن بدائل مصطنعة ويعيش أزمة الانقسام وعدم الاستقرار؟ هل هو فقط تآمر من الخارج أم أنّ أساس المشكلة يكمن في كيفية بناء الداخل وانعدام المؤسسات السليمة التي تكفل هضم التطورات التي تحصل في المجتمع وحوله؟

فلو أنَّ الكيانات المتصدعة الآن في هذه الأمَّة العربية قد قامت على أوضاع دستورية سليمة تكفل حق المشاركة الشعبية في الحياة السياسية وتصون حقوق الحريات العامة للمواطن، هل كانت لتعيش ضعفاً وتنازعاً كما حالها الآن؟

وقد عانت المنطقة العربية، منذ اتفاقيات «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل، مروراً بحروب الخليج، من تمزّق عربي خطير وهدر وتدمير لإمكانات عربية كثيرة وإعادة فتح أبواب المنطقة للتدخل الأجنبي.. مما انعكس تراجعاً عربياً على كل المستويات ومن ضمنها القضية الفلسطينية.

لقد أدرك صانع القرار الأميركي أنّه رغم السلبيات القائمة في الوضع العربي الراهن، ورغم التفوّق الإسرائيلي، ورغم المعاهدات القائمة مع إسرائيل واختراقات إسرائيل لدول عربية لا تحدّها معها حدود.. ورغم وجود القوة العسكرية الأميركية في المنطقة والمعاهدات الثنائية مع عدة دول عربية من المحيط إلى الخليج ..

فإنّ ضمانات الهيمنة الأميركية على المنطقة تتطلب سلسلة من الأحداث ـ لا تُغّير كثيراً من طبيعة الحدود والكيانات ـ لكن تؤدّي إلى قيام أوضاع جديدة، بحيث تكون التكتلات الإقليمية مستقبلاً، مسموحاً فيها بمقدار ما تساهم فيها إسرائيل وبما يحقق ويضمن المصالح الأميركية.

إن المنطقة العربية تعيش الآن مرحلة انتقالية مهمة في إطار هيمنة أميركية مصحوبة بدور إسرائيلي بارز، وليس من خلال رؤية عربية واحدة للمستقبل. ان العرب اليوم هم في حال من الفوضى والعبث على مستوى الشارع السياسي والثقافي عموماً.. وليس فقط على مستوى الحكومات، والتي هي بمعظمها مشغولة الآن بنفسها وبضمانات استمرارها في الحكم!.

ولقد أتخمت لجان الكونغرس الأميركي بأسماء عربية تنتمي لأقلياتٍ دينية أو مذهبية أو إثنية تتحدّث كلّها عن ضرورة منح «الحكم الذاتي» لهذه الأقليات وإقامة حكومات ديمقراطية فيدرالية بديلة للأوطان والحكومات القائمة الآن !

فهل تبنّت واشنطن إحدى مدرستين لهما جذورهما في منطقة الشرق الأوسط؟

ـ المدرسة الإسرائيلية التي تريد تجزئة المنطقة العربية إلى كيانات عرقية وطائفية بحيث تكون إسرائيل أشبه بإمبراطورية تسود على هذه الكيانات وتتحكّم بها.

ـ المدرسة «العربية» في الخلط بين الأنظمة والكيانات، والتي سادت في حقبة الربع الأخير من القرن العشرين، بحيث كان بعض الحكام يمزجون بين حتمية استمرار النظام السياسي القائم ووحدة الكيان الوطني، بينما مزج معظم المعارضين بين السعي لتغيير النظام وتفتيت الكيانات ..

عسى أن تدرك واشنطن أن لا مصلحة مستقبلية لها في أيٍّ من هاتين المدرستين، وبأنَّ دولاً كبرى أخرى ارتكبت الخطيئة نفسها في مطلع القرن الماضي حينما وضعت خرائط جديدة للمنطقة، وفرضت كيانات جديدة، وتبنّت دعواتٍ صهيونية لإقامة متغيّرات في أرض وشعوب المنطقة، لكن رغم كلّ ما حدث طوال القرن العشرين، فإنَّ سيطرة هذه الدول الكبرى قد انهارت تماماً كما انهارت إمبراطورياتها الاستعمارية في أكثر من مكان.

وعسى أيضاً أن تدرك المنطقة العربية أنَّها أحوج ما تكون الآن إلى إصلاح سياسي وإلى تكامل عربي، وبأنَّ الأمَّة العربية الآن أمام مفترق طرق في أحد اتجاهين:الطريق الديمقراطي للوحدة الوطنية والتكامل العربي.. أو طريق الحروب الأهلية للتقسيم «الديمقراطي» في ظل الهيمنة الأميركية والإمبراطورية الإسرائيلية!.

مدير «مركز الحوار العربي» ـ واشنطن

alhewar@alhewar.com