في ربيع العام الحالي، أصدر المفكر الأميركي، الياباني الأصل فرانسيس فوكوياما أحدث كتبه تحت العنوان الذي أصبح ذائعاً وهو «أميركا عند مفترق الطرق». ورغم أن الكتاب تناول قضايا عديدة لعل أهمها تلك المرافعة البليغة أو بالأدق قرار الاتهام الذي وجهه فوكوياما ضد محافظي أميركا الجدد (النيوكونز) وكانوا بداهة من أصدقائه في الأمس القريب،
ومؤداه أنهم بتصرفاتهم المتعنّتة ومواقفهم الأيديولوجية المتعصبة أفقدوا أميركا جانبا نفيسا من رصيدها الإيجابي لدى جمهرة من شعوب العالم ولا سيما بعد ما أبدته شعوب الدنيا من تعاطف عميق مع الولايات المتحدة إثر تعرضها لكارثة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. بيد أن الذي استرعى اهتمامنا في طروحات فوكوياما تلك الفكرة التي عمد الرجل إلى توجيهها إلى شركاء واشنطن
فيما أصبح يعرف باسم المحالفة عبر الأطلسي وهم أعضاء الاتحاد الأوروبي وقد خاطبهم المفكر الأميركي مؤكدا أن ما أصبح يسمى بالمشكلة الإسلامية أو قضية المسلمين لم تعد مسألة تواجه أميركا وحدها حتى في ضوء أحداث سبتمبر ولا عادت - في رأي فوكوياما - مسألة تخص.
منطقة الشرق الأوسط (بما فيها شمال إفريقيا) بل عمد فوكوياما إلى التنبؤ بأن أوروبا هي التي سوف تواجه في السنوات المقبلة قضية جماعات المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها، سواء الذين جاءوها مهاجرين أو الذين ولدوا مسلمين على أرضها، أو الذين اختاروا الإسلام عقيدة وشريعة عن فهم ومحبة واقتناع.
ونحن نتصور أن فرانسيس فوكوياما كان بهذه الأفكار التي طرحها في كتابه إنما يتمثل ما سبق وذهب إليه مفكر أميركي آخر هو المستشرق برنارد لويس الذي فاجأ قارئيه منذ سنتين حين قال في معرض التحذير وليس في مقام التنوير: ان أوروبا سوف تصبح مسلمة (تتحول إلى الإسلام) مع نهاية القرن الحادي والعشرين الحالي.
والحاصل أنه فيما كان فوكوياما من أبرز المستشارين السياسيين في حقبة كلينتون السابقة، فإن برنارد لويس يعد بمثابة الجورو - بمعنى منبع الحكمة وموئل الخبرة ومصدر المشورة لحقبة بوش الراهنة بالنسبة لعلاقات أميركا مع شعوب الشرق الأوسط والعالم العربي بمن تضمهم تلك الأصقاع من مسلمين بعامة ومن عرب على وجه الخصوص.
ولا يغيب عن السياسي أن اهتمام أميركا بالشأن العربي قد انطلق مع سنوات الثلث الثاني من القرن العشرين - وكانت الانطلاقة بعيدة عن الشغف الثقافي أو السياحي أو المخابراتي أو حتى الامبريالي الذي كان يصدر عنه الانجليز منذ أيام الإمبراطورية والعداء للدولة العثمانية وظهور شخصيات غريبة بقدر ما كانت مريبة على مسرح الأحداث في منطقة المشرق بالذات من أمثال لورنس في الجزيرة والشام أو الكابتن شكسبير في منطقة الخليج أو الآنسة جرترود بل في العراق.
في ثلاثينات القرن الماضي بدأ الاهتمام الأميركي بالمنطقة ينصب على اتفاقات البترول التي أكدت وقائع الحرب العالمية الأولى انها أكدت خطوط التجميع في عنابر الإنتاج التي طورها رواد أميركيون من أمثال فورد في تصنيع السيارات، أكدت أن هذا السائل الأسود هو بحق وعن جدارة عصب الصناعة والاقتصاد وربما الحياة الحديثة بكل فعالياتها.
ورغم أن الاهتمام الأميركي كان اقتصاديا بالدرجة الأولى.. وربما واكبته تيارات استشراقية وأحيانا تبشيرية وتربوية وثقافية على نحو ما عرضه كاتب أميركي مهم هو روبرت كابلان في كتابه الصادر منذ سنوات بعنوان «المستعربون» وقد ترجمه كاتب هذه السطور تحت عنوان الحملة الأميركية،
إلا أن بوصلة الاهتمام الأميركي بالشرق الأوسط بمن فيه من عرب ومسلمين ما لبثت أن تحولت لتركّز على الجوانب السياسية وخاصة بعد إعلان إنشاء كيان صهيوني إسرائيلي يحمل لقب الدولة وعلى حساب التراب الوطني للشعب العربي الفلسطيني، إلى أن زاد هذا الاهتمام السياسي بالذات في ضوء قيادة مصر - الناصرية لحركة التحرر والمد القومي الذي ظل متصاعدا منذ مطالع الخمسينات وحتى انكسار الجيوش العربية في يونيو عام 1867.
وحين قام السوفييت بغزو أفغانستان وبعدها اندلاع الثورة الإيرانية، شهد العقدان الآخران من القرن العشرين تركيز الاهتمام الغربي - الأميركي بالذات على الشأن الإسلامي، أولا لأنهم كانوا يخوضون آخر معارك الحرب الباردة ضد الخصم السوفييتي - الشيوعي في أفغانستان، وثانيا بحكم تطورات الأحداث اللاهثة المتوترة في طهران ابتداء من سقوط النظام الموالي لواشنطن..
إلى أزمة الرهائن التي اضطرت الأميركان إلى تجرع غصّتها وبعدها بدأت تحولات الشأن الإسلامي إلى حيث شرع المحللون الغربيون يطرحون بخصوصه مصطلحات الأصولية (فندامنتاليزم) والراديكالية (بمعنى التشدد) وكأنهم بهذا يفسرون أو يترجمون ما سبق إليه البروفيسور زبجنيو بريجنسكي - مستشار الأمن القومي الأسبق في البيت الأبيض حين قال ما معناه: سوف يتعين على الغرب أن يواجه يوما «هلال» المتاعب والأزمات (حيث الهلال هو رمز الإسلام وشعار المسلمين).
حقبة التسعينات أوصلت العالم إلى ظاهرة احتقان متبادل على جبهتي الغرب من ناحية والمسلمين ومنهم العرب من الناحية الأخرى. وفي غمار هذا الاحتقان لم يتورع أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد - صمويل هنتنغتون عن إصدار كتابه الشهير عن «تصادم الحضارات» الذي يحذر فيه الغرب من خطر اسمه الإسلام والمسلمون..
ولا يكتفي بأن يستند في تحذيراته إلى حوادث أو احتكاكات ومصادمات من دفاتر التاريخ (علاقات أوروبا والغرب مثلا مع الدولة - الإمبراطورية العثمانية) بل عمد الأستاذ الأميركي إلى تحديث مقولاته حين حذر الاتحاد الأوروبي من قبول تركيا في عضوية الاتحاد رغم أن موقع تركيا وعلاقاتها ترشحها لمثل هذه العضوية.
لا عجب أن ينشر أكاديمي تركي هو البروفيسور «هلال الغير» دراسة في هذا الموضوع يصف فيها أفكار زميله الأكاديمي الأميركي بأنها خبيثة وسيئة ثم ينتقد الأستاذ «هلال الغير» المنظور السلبي الذي يطل منه هنتنغتون على قضية تركيا بخاصة والإسلام والمسلمين بعامة فيقول:
- هو منظور خطير لأنه يحذر الأوروبيين من خطر يتهدد هوية أوروبا الحضارية إذا ما انضمت تركيا إلى عضوية الاتحاد بملايينها السبعين إضافة إلى 15 مليون مهاجر مسلم مقيمين بالفعل في أنحاء أوروبا، فما بالك وتركيا تضم نسبة 75 في المئة من سكانها تحت سن الخامسة والعشرين،
دع عنك ارتفاع معدلات الخصوبة ومن ثم المواليد بين مجتمعات المهاجرين المسلمين مقابل ظاهرة شيخوخة السكان التي أصبحت واضحة المعالم وخاصة في أقطار مثل ألمانيا وإيطاليا - كل ذلك يؤدي في رأي الأستاذ الأميركي ومشايعيه إلى «إضعاف إن لم يكن إخضاع الثقافة والحضارة في أوروبا في مرحلة ما في المستقبل».
وإذا كانت هذه المرحلة من المستقبل قد حددها المستشرق برنارد لويس - كما ألمحنا - بعدة عقود ما زال ينطوي عليها القرن الراهن، وهو قرن وليد في كل حال.. فها هو الأستاذ التركي الذي نحيل إليه في هذا السياق يشير بدوره إلى تصريحات أعلنها منذ فترة قريبة سياسي أوروبي مخضرم هو جيسكار ديستان، رئيس فرنسا الأسبق، وقال فيها بغير مواربة: ان ثمة هوة واسعة لا سبيل إلى تجسيرها تفصل بين تركيا وأوروبا..
ومن ثم فإن قبول تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي يعني نهاية هذا الاتحاد (دراسة البروفيسور هلال الغير أستاذ الدراسات الدولية. بجامعة كاليفورنيا - ضمن محور أوروبا والإسلام (فصلية تقرير الشرق الأوسط، عدد صيف 2005).
لا عجب أن يشهد الأسبوع الأول من شهر يوليه الحالي - محورين آخرين تم نشرهما وترويجهما عبر الأطلسي: على الضفة الأميركية تنشر مجلة نيويورك تايمز (الأحد، 2/7/2006) محورا بعنوان «حاضرة الجهاد» وتدور موضوعاته عن خطر انتشار الراديكالية - كما تقول المجلة الأميركية بين صفوف مسلمي أوروبا ويجاوبها من الضفة الإنجليزية المحور الذي نشرته «الإيكونومست» بعنوان «أوروابيا» وقد نفهمه بأنه يشير إلى أن أوروبا في طريقها إلى أن تصبح عربية (وإسلامية أيضا)
مع هذا كله - علينا أن نحمد للمطبوعة الإنجليزية تأكيدها على أن الحل الناجع ضد أي ظاهرة عنف داخل أوروبا إنما يتم حين تعود - أوروبا إلى الأصول الإيجابية العريقة التي قامت عليها حضارتها.. وفي هذا تؤكد «الإيكونومست» على أهمية القيم الإنسانية التي أفضت إلى عصور النهضة والتنوير والوطنية الإيجابية التي أعطت للبشرية قيم الحرية والاستقلال وتكافؤ الفرص وحقوق الإنسان.
كاتب مصري