مازال هناك من يصر مؤكداً بأنه لا يستطيع أن يصدق أن في الإمارات من لا يجد فرصة عمل تكفيه قسوة الحياة وغلاء المعيشة، خاصة إذا كان مواطناً مؤهلاً للعمل.. ولمثل هؤلاء المنكرين هذا الواقع الأليم أقدم آخر حكايتين سمعتهما من صاحبيهما مباشرة صباح أمس!
في بداية اليوم وأنا في طريقي لمكتبي، اتصلت بي أخت سعودية بدا من صوتها التأثر الشديد وهي ترجوني الاستماع لحكايتها.. وبعد أن هدأت قالت لي:... أنا سيدة سعودية متزوجة من رجل مواطن كان يعمل في مؤسسة وطنية سيادية في وظيفة فنية، لكنه ترك العمل بعد أن استغنى عنه بسبب زواجه من امرأة غير مواطنة، هذا الرجل لديه خبرة ومتمرس في عمله وقد تدرب في بريطانيا، مع ذلك فهو الآن بلا عمل، تراكمت عليه الديون منذ أن ترك وظيفته منذ عامين، زوجته فقدت حملها لمرتين ربما، غيروا مكان إقامتهما إلى إمارة أخرى بسبب الإيجار.
إنه الآن مهدد بالسجن بسبب الديون... وما زال يبحث عن عمل.. ولا عمل ولا أمل.. ولا ضوء يبدو في النفق.. فكيف يعيش هذا المواطن في هذه الحالة.. هي تسأل ونحن معها؟ في نهاية الدوام اتصل بي رجل مواطن، ظهر متردداً في البداية من حكاية الشكوى وعرض الحال لأنه مؤمن بأن الشكوى لغير الله مذلة.. وأغلق الهاتف ثم عاد واتصل.. خلاصة حكايته أنه أوقف عن العمل وأحيل للمحاكمة بتهمة باطلة، وقد أثبتت المحكمة براءته.. لكنه ما زال موقوفاً عن العمل منذ أكثر من عام.. لا عمل لا راتب ولا هم يحزنون!!
بحث عن عمل آخر، بحث عن مخرج مع علمه أن الجمع بين وظيفتين مخالفة قانونية لقوانين العمل في مؤسسته.. لكن السؤال الذي لم يخطر على بال من أوقفه عن العمل ولم يفكر في إنهاء إجراءاته وتركه معلقاً بين السماء والأرض: كيف يعيش هذا الرجل؟ من أين ينفق على عائلته؟ كيف يسدد فواتيره ويسد متطلبات أبنائه وزوجته؟ لا أحد يطرح على نفسه هذه الأسئلة، فربما يأكل الموظفون الصغار الذين يتعرضون للظلم من الهواء أو ليأكلوا الهواء بمعنى أصح.
الرجل يضطر أن يمد يده لوالده، يضطر أن يحتمل انقطاع الكهرباء لعدم قدرته على تسديد فواتير الكهرباء، لكن إلى متى؟.. وهل هذا وضع يليق بمواطن في بلد ودولة تعد الأفضل اقتصاداً في المنطقة العربية؟. دولة خيرها يمتد إلى أقصى الأرض.. دولة لا تذكر إلا بالخير والعزة وعلو الشأن.
هل أقول له اذهب للجمعيات الخيرية؟ هل أقول له اتصل واعرض نفسك على برامج البث المباشر، وقم بعملية استجداء على الهواء مباشرة؟ هل أقول له مد يدك لأهل الخير والإحسان؟ لم أقل له شيئاً من هذا ولا ذاك، لكنني استمعت له بيقين أن شكوى الرجل النزيه أمر صعب، والأصعب منه ألا تجد ما تقدمه لإنسان يشتكي لك مرارة الحياة!.