قتل خمسين على الهوية للمرة الأولى في بغداد أول من أمس الأحد كان أول ظهور لأفعى الفتنة المذهبية التي خلفها تحالف الأعداء في العراق.. الأميركيون من جهة وتنظيم أبو مصعب الزرقاوي من الجهة الأخرى.

ديدن الغرب دائماً لإضعاف الشرق ظل اللعب على التناقضات.

فقاعدة فرّق تسد التي ابتكرها البريطانيون منذ قرون صمدت عبر العصور وإن أخذت أشكالاً مختلفة. ولم يخرج الأميركيون حينما فكروا في العراق كمشروع - مغامرة عن هذا السياق.

وبعد ثلاث سنوات وبضعة أشهر يستطيع أي محلل أن يدرك الأهداف والأسباب الحقيقية للغزو، ويضع يده على مكمن القلق الأميركي الحقيقي، وهو بعيد تماما عن كل ما تشدق به الساسة في واشنطن وحلفاؤهم المنتشرون عبر أصقاع العالم. ذلك الهدف لم يكن سوى تفكيك الدولة العراقية ووضعها على طريق يتوسط الصوملة واللبننة.

أما الأهداف الأخرى المعلنة فسرعان ما اكتشفنا أنها مجرد ذرائع لم تصمد طويلا، فأسلحة الدمار الشامل كشف الأميركيون أنفسهم أنها مجرد أكذوبة، والعلاقة بين نظام البعث وتنظيم القاعدة ليست إلا خيال هوليوودي من النوع القذر، واستبداد صدام لم يكن نسيجا وحده في المنطقة، فهناك آخرون أكثر بشاعة ما زالوا موجودين في المنطقة ويتمتعون بإغداق الأميركيين المنعة عليهم.

أرادت واشنطن تفكيك الدولة العراقية لأنها وضعت يدها على مكمن التقدم والتحضر فأنشأت المصانع واهتمت بالتعليم وراكم أبناؤها خبرات تكنولوجية في الجامعات ومراكز البحث، وشاء قدر العراق أن تكون بعيدة وقريبة من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فهي ليست دولة مواجهة ولكنها عمق استراتيجي.

وحينما تم الانتهاء من نشر الهشاشة في دول المواجهة وعلى رأسها مصر بحيث نزعت قدراتها على الانتصار في أي حرب مقبلة على إسرائيل حل الدور على العراق، وها هو يدفع الثمن الآن.

تفكيك الدولة في الرؤية الأميركية ـ الإسرائيلية تم عبر عدة مراحل.. دفع العراق إلى حرب طاحنة وبالوكالة مع إيران وتجييش الجوار من أجل إضفاء صفة الحرب القومية عليها، فالعراق حارس البوابة الشرقية، والمعارك التي يخوضها تلبست رداء موقعة القادسية !!

وبعد أن انتهت اللعبة كان إغواء صدام ونظامه عبر السفيرة الأميركية إبريل جلاسي بغزو الكويت لخنق تجربة سياسية تجلت فيها ديمقراطية سياسية وحرية كانت فريدة من نوعها في المنطقة ولإقناع دول الخليج بطلب وجود عسكري أميركي دائم في الخليج، يمثل رادعا لكل من يرفع رأسه في المنطقة.

هكذا بدأ الأميركيون يعملون كرعاة للتغلغل الإسرائيلي في المنطقة الكردية من شمال العراق، وبدأوا تقريب السياسيين العراقيين المعارضين الذين يحملون نزعات مذهبية وطائفية وإقصاء رموز ذلك النوع الذي يرى العراق ككل موحدا بعربه وأكراده، شيعته وسنته وطوائفه المختلفة كوحدة واحدة صهرها التاريخ، ليس ذلك فحسب بل بدأ ترتيب اغتيالات لرموز العقل والحكمة عبر اختراق التنظيمات الإرهابية وكان على رأس هؤلاء محمد باقر الحكيم.

وما لم تفلح فيه السياسة جرى إنجازه عبر قرارات بول بريمر فتم حل الجيش والشرطة اللذين بنيا على أسس قومية عراقية، وتحولت الجامعات إلى ساحة اغتيالات لمطاردة كل الكوادر العلمية وخنقها، ثم جاءت مرحلة تدبير أو الدفع نحو تفجير مراقد شيعية ومساجد سنية وارتكاب أعمال ليست من شيمة العراقيين.

فمسلحون يرتدون زي ميليشيات بدر وجيش المهدي ينفذون اغتيالات واعتقالات في مناطق سنية والزرقاوي وجماعته أعادوا الخطاب المذهبي السني المتشدد إلى الواجهة، فيتحدث عن الرافضة الذين يجب قتالهم وكأن العراق لا تحتله قوة غازية.

هكذا زرعت بؤرة الطائفية دون تقصير في الساحة العراقية، وهي إن أثمرت ولم تقتلع قبل فوات الأوان ستدخل العراق في دوامة اقتتال قد تدوم سنوات طويلة. المخططون لإدخال العراق نفق الحرب المذهبية لا شك أنهم يضحكون الآن ملء أشداقهم، والمسألة الآن بحاجة إلى تدخل العقلاء العراقيين والعرب، فماذا هم فاعلون؟

magdishendi@hotmail.com