من خلال ملاحظتي اليومية فإن البعض منا لا يفكر لخمس دقائق قبل أن يطلق أحكامه على الآخرين، لكننا ببساطة نتورط في توزيع الكفر والإيمان على الناس، فهذا كافر لأنه... وهذا مؤمن لأنه.... و«لأنه» هذه نابعة من ملاحظتنا الشخصية لسلوكه اليومي أو لتصرفه الآني الذي استحق عليه.إما الدخول في الإيمان أو الخروج منه..

هكذا ببساطة يعطي البعض منا لنفسه حقاً إلهياً تفويضياً بتوزيع درجات الإيمان على الناس، بل يزيد أحياناً فيرتكب الخطيئة الكبرى حسب رأيي حين يقرر بأن فلاناً طريقه ممهد للجنة، وفلاناً لن يشم رائحتها أبداً وبأن دخوله للنار مضمون 100%!!

ومثل التدين الذي نعيشه ونفهمه بطريقتنا الخاصة التي لا تخلو في أحيان كثيرة من سوء فهم وضيق أفق، هناك من يعتقد بأن رفع منزلة البعض إلى درجة فوق البشرية وفوق الإنسانية نوع من التكريم، كأن ينظر إلى عالم الدين أو شيخ الدين كما نسميه بمنظار يختلف عن نظرته لبقية الناس، مما يجعله يبني فوق هذه النظرة اعتقادات غريبة.

وهذا ما لمسته من ردة فعل البعض على ما نشر في جريدة «الشرق الأوسط» على لسان الشيخ «عايض القرني» وعلاقته بمونديال كأس العالم في ألمانيا.

والحق إنني لأول مرة أرى استطلاعاً للرأي أو شيئاً يشبه ذلك ينشر في صحيفة عربية يضع رجل دين بجوار كاتب مثير للجدل في فكره وأفكاره مثل «مأمون فندي»، وبجوارهما ممثل ومطربة شهيرة هي صباح، ولا اعتراض عندي على نوعية الشخوص الذين تم اختيارهم ولا في وجودهم متجاورين، فهذا الطيف من الأشخاص هم في النهاية نسيج المجتمع الذي نعيش ونتحرك فيه، لكن استغرابي من ردة الفعل لا أكثر!

كثيرون اعتبروا أنه من المستهجن أن يهتم الشيخ «عايض القرني» بالمونديال، ويتابع المنتخبات ويعرف نجوم الكرة، ويشجع بعض الفرق ويهتم لسجود اللاعبين السعوديين بعد تسجيل هدفهم في إحدى المباريات، ومرد استهجانهم نابع من أن هذا لا يليق بهيبة عالم جليل مثله يمثل قدوة ويمثل كلامه توجيهاً وتنويراً للشباب المسلم وحصناً لهم على ترك سفاسف الأمور والملهيات ككرة القدم... فكيف يبادر هو للاهتمام بهذه الملهيات من وجهة نظرهم؟

فهل ارتكب الشيخ عايض القرني مخالفة شرعية بمشاهدته لمباراة كرة القدم؟ لا أدري إن كان في الأمر فتوى أو اجتهاد فلا أورط نفسي فيما لا أعرف، لكنني متأكدة بأن تأليه الشرقي والعربي عموماً للرموز والشخوص السياسية والدينية والفكرية يربك هؤلاء الأشخاص.

ويدخل المجتمع في ممارسات وتناقضات غير منطقية وغير مطلوبة. فالسياسي إنسان عادي يهتم بأمور الحياة العادية وربما التافهة أيضاً، وكذلك رجل الدين له هواياته وحياته واهتماماته، وطالما لم يخرج عن حدود الشرع والدين لماذا لا يجوز له ما يجوز لغيره؟ لماذا نحكم عليهم الخناق حتى كأننا نفرض عليهم السلوك وردات الفعل وفق ما نتصوره ووفق القوالب التي نضعهم فيها؟!

sultan@dmi.gov.ae