لم أقرأ شيئاً عاقلاً ومنطقياً كذلك المقال الذي كتبه «نيكولاس كوتس» في صحيفة الجلف نيوز الإماراتية الناطقة بالإنجليزية والذي ترجم ونشر في صحيفة الاتحاد تحت عنوان «نأتي... نعمل... ثم نغادر»، فالكاتب قدم وجهة نظر أجنبية عاقلة جداً لعلاقته كعامل أجنبي وافد مع الدولة وقوانين العمل فيها.

وهي وجهة نظر جديرة بالاحترام جداً، ليس لأنها تتفق مع هوى نفوسنا كمواطنين، ومع توجهاتنا الفكرية فقط، ولكن لأنها تعقلن الأمور وتضع القضية في المسار الصحيح بوضوح وصراحة وشفافية، وبلا تعصب أو مجاملة أو تشنج!

وحينما نجح وزير العمل الإماراتي د. علي الكعبي خلال مباحثاته بجنيف في استصدار موافقة المجتمع الدولي على إعادة تعريف العمال المهاجرين في الإمارات على أنهم «عمال مؤقتون» وأن كل أفواج العمالة التي تتواجد على أرض الإمارات ليست سوى «عمالة مؤقتة»، ضج الكثيرون هنا واستاءوا وتطاولوا.

وكأن الدولة قد اعتدت على حقوقهم وأهانتهم و... بينما يقول نيكولاس كوتس في مقاله ما يلي: «انني عامل مؤقت في الدولة، لم أفاجأ كثيراً بإعادة تعريف العمال المهاجرين كـ «عمال مؤقتين» وأعرف أن هناك من سوف يجادلون كونهم عملوا سنين طويلة في ظروف صعبة، وساعدوا في تحقيق نهضة البلاد، إلا أنني أقول لهم لقد أعطيتم وأخذتم مقابل ذلك».

لقد قرأت الكثير من الردود التي توالت مؤيدة أو معارضة قرارات وزير العمل، وقرأت الكثير من التعليقات «السخيفة» على بعض المواقع وغرف الدردشة فيها، كما استمعت لحوارات ونقاشات في الاتجاه نفسه تضعنا أمام حقيقة أن هناك إشكالاً اجتماعياً يتفاعل، وقضية شائكة قد تشكل منعطفاً مهماً في ذهنية التفكير الوطني والأجنبي حيال بعضهما البعض، وحيال علاقتهما ببعض.

وحيال نظرة الاثنين للحاضر والمستقبل، ومن هنا فلابد من الحوار والنقاش، وفتح المجال للأصوات العاقلة من كلا الطرفين لعرض الأمر وتحليله وتفنيده وطرح المخارج والحلول المنطقية له، حفاظاً على ثوابت العلاقات والروابط الأصيلة والجميلة بين أفراد المجتمع مواطنين ومقيمين!

يقول كوتس في مقاله: «مهما كان عدد السنوات التي قضيتها في الإمارات، فإن هناك شيئاً واضحاً بالنسبة لي وهو أنني سأبقى دائماً ضيفاً في هذه البلاد.. نحن نعمل مقابل أجر، هذا يعني أننا قد أبرمنا عقود تبادل المال مقابل العمل، هذه العقود وقعت وختمت ونفذت، وإذا كنا لم نحصل على أجورنا يوماً، فإن بإمكاننا دائماً اللجوء إلى القضاء.

أما إذا لم تعجبنا الشركات التي نعمل فيها فالبديل يكمن في إيجاد عمل آخر، وإذا تعذر ذلك بسبب القيود الحكومية فإن البديل يكون مغادرة الدولة والعودة إلى الوطن، فلا أحد يبقى في هذه البلاد مجبراً»!

هذا يعني أنه للجميع الحق والمقدرة على انتزاع حقه ولو بالقانون إذا لزم الأمر طالما كانت هناك عقود قانونية وإقامات شرعية وسيرة عمل لا تشوبها شائبة، هذه البلاد لا تظلم أحداً، مع وجود استثناءات قليلة لأشخاص جشعين، وشركات لا يهمها سوى أرباحها، لكن الدولة وقوانينها شيء مختلف تماماً والأدلة ثابتة وتثبت كل يوم..

إذن لا داعي لكل هذا العداء وسوء النوايا لدى البعض، والتلفظ بما لا يليق في حق بلد وفر للقادمين إليه فرص عمل ذهبية وأجوراً كبيرة، ومستوى حياة لائقاً وأمناً واستقراراً وخدمات لا يمكن الحصول عليها إلا في أكثر دول العالم رقياً.. فالاعتراف بالفضل فضيلة.

sultan@dmi.gov.ae