هدأت العاصفة بعد أسبوع تقريبا من خروج نتائج الانتخابات التشريعية في الكويت. لكن البرلمان الكويتي دخل منعطفا نوعيا عصريا جديدا. فهذا البرلمان الذي يناهز عمره اليوم الـ 43 عاما مر خلال مسيرته الطويلة بتقلبات وانقلابات وعقبات كنا نعتقد جميعا وقتها أنها ستكون القاضية.

حيث لا يوجد في 98% من الوطن العربي أي شكل من أشكال الانتخابات الحرة المباشرة كما هو في دولة الكويت. وإغلاقه يعني أن أي دولة في المنطقة لن تتجرأ حتى على التفكير في تأسيس مجلس وطني.

ولذلك كنا كلما أغلقت أبواب البرلمان الكويتي بالشمع الأحمر نخشى أن لا يمتد به الأمد فيموت بقطع الماء والهواء والضوء وتصبح الكويت كغيرها من الدول العربية: دولة تزحف في الظلام الدامس برجل ويد واحدة.

فبرلمان الكويت الذي كنا نتابع مناقشاته كما يتابع هواة كرة القدم منافسات المونديال اليوم كان يتميز بالتكتيك والصراحة التي يندر وجودها في أي برلمان آخر.

ورغم تحفظنا على كيفية كسب أصوات المنتخبين إلا أننا في النهاية نشعر بالامتنان لسياسة حكام دولة الكويت الذين أحالوا بعد مرور ثلاث سنوات فقط من الاستقلال عن الحماية البريطانية عام 1961، أهم سلطة في البلد إلى الشعب.

واليوم يسعى البرلمان الكويتي أن يكون عصريا بمعنى الكلمة. وأن يكون للمرأة الكويتية مقعد ليس خلف أسوار البيوت وتحضير الوجبات الشهية الدسمة أو قضاء الوقت في مشاهدة المسلسلات المكسيكية أو التحدث على الهاتف المتحرك بينما تقوم الشغالات الأربع أو الخمس أو الست كل منهن بدورها في إنجاز الأعمال المنزلية والتربوية والتسويقية، وإنما أن تشارك في مسيرة الكويت من خلال انتزاع مقعدها في مجلس الأمة. فالكويت تم احتلالها مرتين وتحررت مرتين.

الأولى من الاحتلال البريطاني للمنطقة. والثانية من الاحتلال العراقي. وهنا لم يعد كافيا الاعتماد على نصف المجتمع لبناء كويت جديدة. فالكويت صغيرة جدا لا تتعدى مساحتها الـ 18 ألف كم2. وعدد سكانها لا يتعدى المليونين بما فيها مختلف الجنسيات. وقد فقدت الكويت خيرة شبابها ومليارات الدولارات أثناء الاحتلال العراقي وهدم العديد من البنى التحتية.

في مثل هذه الحالات يصبح دور المرأة الكويتية أصعب من أي وقت مضى: فهي التي عليها أن تعيد التوازن السكاني، وهي عليها متابعة تربية الجيل القادم، وهي التي يجب أن يكون لها رأي في كيفية بناء سياسة التربية والتعليم ومناقشة شؤون المرأة وقضايا الأسرة. وغيابها عن المجلس يعني أنه يجب أن نلقي على الرجال مسؤولية كثير من الأمور التي يجهل جنس الرجال تفاصيلها. ولا أتصور أن يستطيع الرجال التحدث باسمها أيا كانت سعة ثقافتهم.

المسألة ليست في استطاعتها أو عدم استطاعتها اليوم منافسة الرجال ذوي الخبرة الواسعة في مجال الانتخابات والترشيح وكسب الأصوات رغم أن نسبة الناخبات تفوق نسبة الناخبين في 21 دائرة انتخابية من أصل 25 دائرة؛ لكن المهم أنه فتح لها باب الترشيح والاقتراع. وأنها وضعت نفسها في هذا المحك الخطر. وشئنا أم أبينا سوف تصل وتفرض نفسها فرضا كما حدث في دول كثيرة أخرى سبقتنا عدة كيلومترات في هذا المضمار.

إن درس مجلس الأمة الكويتي يصلح للجميع. وبادرة يمكن تطبيقها على مستوى المنطقة التي بدأت تتحرك في هذا الاتجاه ولكن على خجل.

وإضافة إلى الطلب من المرأة المشاركة في بناء الكويت والدفاع عن قضاياها الداخلية والخارجية، هناك أمر يستوجب التوقف عنده: تعايش كافة الطوائف والمذاهب رغم اختلافاتها الفكرية وقناعاتها الشخصية في مجلس واحد.

إن المنطقة العربية في حاجة إلى إعادة النظر من جديد في كيفية الاستفادة من طاقات مواطنيها. ليس فقط على مستوى البناء والتشييد والتجارة. وإنما أيضا من خلال الاستفادة من آرائهم ووجهات نظرهم.

والمجالس البلدية أو الاستشارية تشكل أقصى طاقة يمكن الاستفادة منها لبناء أي مجتمع بشري منظم. فإذا كانت المؤسسات التجارية الصغيرة تستقدم الخبراء والاستشاريين وتدفع لهم المبالغ الهائلة لتصحيح الأخطاء الصغيرة وتفادي الوقوع فيها ورسم سياسات ووضع خطط مستقبلية لها، فكيف بالدول؟

فدولنا العربية تكبر ومواطنوها في ازدياد وأعداد البشر الذين يقيمون عليها ويتوالدون فيها أو الذين يدخلون إليها سرا وعلانية في ازدياد أكبر. وبالتالي فهموم الوطن تكبر ولا تصغر. ولا يمكن للمسؤول أن يدخل كل بيت ويمر في كل شارع ليتعرف على كل مشكلة ويحل كل قضية. وتبقى المجالس البرلمانية هي حلقة الوصل بين الحكومة والمواطن. ولا توجد وسيلة غير تلك.

اليوم معظم المجالس التشريعية في المنطقة العربية في مرحلة اختبار للدور الذي ستقوم به ولو أن الوقت يمر كالسيف والأمور تصبح أكثر تعقيدا. ولكنها لا تفي بالغرض في الألفية الثالثة.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com