أيام الصحوة كان يقال لنا انتبهوا من غسيل الأدمغة ومن تياراته الموجهة، وعلى أيام صبانا كنا نتلقف هذه الدعوات، ونحن نتلفت من حولنا بحثا عمن يريد الإيقاع بثوابت عقولنا ومشاعر قلوبنا تجاه كل ثابت قومي ووطني.

كان يقال لنا: سيأتونكم بحيل بسيطة وسهلة لن تتوقعوها وسيغرقونكم في بحر من العسل لا تفيقون من سكرته الا وانتم منهزمون، منكسرون منسلخون عن جلد دينكم واصالتكم، ستتحولون إلى أرانب مطيعة، وسيبرد دمكم الشرقي الحار بمقدار برودة جبال الجليد، وستتساقط من اعناقكم قلائد ثمينة للنخوة والعزة والكرامة والغيرة على الشرف والأوطان.

كنا صبية وشبيبة وثورة عزائمنا في عروق الدم تندفع حاملة على أكتافنا حلم الامة الحرة الأبية. تثقل هياكلنا المفاتيح المعلقة في أعناقنا لفتوحات كبيرة، منها ما ورثناه من تاريخ العزة ومنها ما نستعد به للفتوحات الجديدة.

رجال النضال بأطيافه المختلفة يغذون أدمغتنا بكلمات ذهبية فتشد من عزائمنا وتعلو أصواتنا حينما يفور الدم في عروقنا..كم كان حرصنا شديدا ان لا نقع في حيلة نسلم فيها عقولنا لغسالات الغسيل.. لا نحيد، على الدرب صامدون، على العهد باقون، امة حرة وتراب طاهر من كل دنس، جمل نقشناها على جدران الضلوع.

اكتسبنا مناعة كبيرة.. وكنا نحذر بعضنا البعض، لا تستمعوا لهذا القول انه غسيل عقول، لا تتمايلوا مع ذاك النوع من التمايل انه غسيل مشاعر، لا تحنوا قاماتكم بهذا القدر انه غسيل إرادات.. ووصلت بنا الحيطة والحذر إلى المأكل والمشرب والشكل والموضة..كنا نحارب قبل ان تخضر شواربنا.

ثم شيئا فشيئا صرنا نغرق في غسالات الغسيل، ملنا وتمايلنا، انحنينا بالطريقة المطلوبة، صار ترويضنا سهلاً، بردت عروقنا، برد الدم، تساقطت مفاتيح الفتوحات السابقة واللاحقة من اعناقنا، انكسرت سيوفنا في ايدينا من مقابضها، قبضنا على الحطام من تلك الثوابت ومن المقولات الذهبية للرجال.

أسكرتنا الحال الجديدة، أدمناها حتى النخاع، تعودناها، صارت حياتنا وإيقاعها، فرقصنا على الحبل الذي ارادوا، وحومنا كالفراشات وتأرنبنا فصرنا ننتج من جلودنا فراءً ناعماً كالحرير..غرقنا في العسل حتى الثمالة..نحن أكثر سعادة الآن، ونتمتع بمناعة قوية ضد ماضينا وضد حاضرنا وما عاد شيء يهزنا من دواخلنا، فصارت صور هزائمنا شيئاً عادياً، وصار خبر هذا العادي وجبة إفطار شهية ملحوقة بفنجان من بن أصيل لا نتنازل عن أصالته.

خبر نصف طفل عربي أكلته قذيفة معادية عادي على الإفطار!

خبر شعب عربي يذبح في الساحة أمام الأعين عادي على الغداء!

خبر اوامر جديدة بالركوع وجبة غنية بالفيتامينات على العشاء!

خيانة عظمى تباع فيها الخيرات والثروات والعقول «نكتة» ولا أروع على الهاتف النقال!

فعلت الغسالات فعلها وهانحن نتطاير في فقاعات الصابون.

اليوم يفضل كثيرون الشيبس المقرمش مع اخبار غزة في ساعات الأصيل!

mhalyan@albayan.ae