هل يجادل أي شخص في أن غالبية العالم مشغولة بمتابعة مباريات المونديال الذي يوشك على النهاية في ألمانيا؟ عربياً، استطيع القول بثقة انه رغم كل النكبات التي تحيط بنا فإن غالبيتنا مشغولة بالأمر، وحتى المهمومون بحالنا، يتعاطفون نهاراً مع المقاومة الفلسطينية والعراقية، لكنهم مساءً تجدهم متسمرين أمام شاشات التلفاز في المقاهي والكافتيريات لمتابعة المباريات.

ليس جديداً القول ان منافسات الرياضة، خصوصاً كرة القدم، قد أضحت البديل للمنافسات بين الأمم وحلت محل مختلف الصراعات. وباستثناءات قليلة مثل الأميركيين الذين ينفردون بعدم حب كرة القدم، والإسرائيليين المولعين فقط بممارسة رياضة القتل والهدم، نجد أن ساسة العالم جميعاً أصبحوا يجدون في كرة القدم مدخلاً دعائياً مهماً لرفع شعبيتهم .

رأينا المستشارة الألمانية انجيلا ميركل وهي تنفعل مع كل هدف لبلادها، رأينا قبل ذلك الرئيس الفرنسي جاك شيراك وهو يحمل الكأس مع فريق بلاده عام 1998، رأينا الرئيس المصري حسني مبارك وزوجته وأولاده يحضرون معظم مباريات مصر في الدورة الإفريقية الأخيرة، وكيف كان الفوز والشحن الإعلامي تغطية على كارثة عبارة الموت في البحر الأحمر.

الرؤساء الآن لا يحضرون المباريات فقط، بل التدريبات أيضاً، يستقبلون اللاعبين قبل اللقاءات المهمة، وبعد الفوز، ويدركون أن الجماهير لا ترى صورهم في الاستقبالات الرسمية المملة لذلك يحرصون على التواجد مع لاعبي الكرة المحبوبين المشهورين. اهتمام القادة والرؤساء لم يأت من فراغ، بل لأنالكرة صارت مرادفاً للهوية في أوقات كثيرة.

اللاعب المصري الذي سجل هدفاً عام 1989 تأهلت به بلاده لنهائيات كأس العالم في إيطاليا عام 1990، صار اسمه وقتها على كل لسان، وقتها أيضاً كان المفكر والفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود يخوض معركة فكرية كبرى، لم يعلم بها إلا قلة قليلة.. هذا الموقف دفع أحد الكتاب للقول «لا أمل في أي شيء طالما أن حذاء لاعب صار أهم من عقل مفكر»!

والمؤكد أن مثل هذا المثل ينطبق على كل الأمم، فكلنا يعرف من هو بيليه ومارادونا أو رونالدو أو رونالدينيو، لكن معظمنا لا يعرف اسم رئيس البرازيل أو الأرجنتين. ربما بسبب هذا التسطيح فإن غالبية المثقفين يرون في الأمر هوساً غير مبرر ويكرهون الرياضة.

صار معروفاً أيضاً حالة الإحباط التي تصيب مشجعي الرياضة عندما يخسر فريقهم أو منتخب بلادهم، نرى تجمعات وتظاهرات وأحيانا هبات جماهيرية تطالب بإقالة المدرب أو إبعاد لاعبين، ربما لأن هذه الجماهير يئست من إبعاد وتنحية وإقالة رئيس أو وزراء أو مسؤولين!

إذا كان الواقع كذلك، وبغض النظر عن كونه مختلاً أم لا، وإذا كانت أقدام أحد عشر لاعباً تتسبب في سعادة أمة أو شقائها، فهل نترك الأمر لهؤلاء اللاعبين فقط كي يصيبوا شعباً بالإحباط بسبب استهتار أو طيش أو مطالب مادية أحياناً. لدي فكرة مجنونة أتمنى أن ترى طريقها للتطبيق عربياً أو حتى عالمياً. الفكرة باختصار وطالما أن حالة الأمة لا تحتمل المزيد من الهزائم، فعلينا ألا نترك الأمر للاعبين والمدربين على طول الخط.

وبما أنه ليس لدينا انتخابات أو ديمقراطية حقيقية في معظم البلدان العربية، فلماذا لا نجرب انتخاب اللاعبين والمدربين! سبب هذه الفكرة المجنونة أن معظم لاعبينا العرب الذين يتعلق بهم حالة أمة أحيانا في منافساتها الدولية، نفاجأ بهم يسهرون حتى الصباح على المقاهي يدخنون الشيشة، أو في البارات وعلب الليل وسط الغانيات، ثم يذهبون إلى الملعب عصراً ليصيبوا الجماهير بالحسرة مرة تلو الأخرى. فهل نترك مصيرنا بأقدامهم؟!

أمثال هؤلاء اللاعبين الذي يناط بهم تمثيل أمم بأكملها ينبغي أن يكون تحت رقابة مشددة.. على سبيل المثال لا يكفي أن يكون اللاعب موهوباً، بل يجب أن يكون مثقفاً وفاهماً لطبيعة الدور الذي يؤديه، ينبغي أن يكون رزيناً وصبوراً، فأي حركة «نص كم» تسيء إلى بلد بأكمله. معنى ذلك أن المدرب وحده ليس كافياً لتأهيل اللاعبين، بل مطلوب خبراء نفسيون واجتماعيون وتربويون وفي كل المجالات، كي يقولوا للاعب ويفهموه أنه لا يمثل نفسه بل بلده كله.

أعلم أن مستوى فريق كرة القدم في أي مكان هو حصيلة لحالة المجتمع بأكمله وطريقة حياته ونوعية تخطيطه، وبالتالي فلا أمل في أي منتخب عربي قبل أن تنصلح أحوالنا في مجالات شتى. كما أن المشكلة أن الانتخابات الحرة قد لا تكون الطريقة المثالية لاختيار لاعبين جيدين فالديمقراطية هي التي أوصلت هتلر إلى السلطة في ألمانيا، كما أنها هي التي أوصلت إلى رئاسة ناد كبير في مصر شخصا لا يعرف الا التفاهم بـ «الحذاء» دمر النادي ودمر مشجعيه وأصابني أنا شخصياً بالقولون العصبي.

Emadiraqi@yahoo.com