مع أن التكرار يعلم الشطار، ومع أن قوى المقاومة الفلسطينية تزدحم بالقيادات والكوادر الذين لا نشك في شطارتهم ومهارتهم، إلا أنهم ما زالوا يقعون ضحية وسائل اغتيال إسرائيلية تبدو متقادمة ومكررة إلى درجة الملل. ما نخصه بالإشارة أكثر في هذا الإطار، القصف الجوي للسيارات التي يتنقل بها المقصودون بالقتل، المدرجون سلفا على قوائم الموت الاستخبارية الإسرائيلية، والنجاح في إصابة الهدف بدقة متناهية، حتى أصبح الخطأ في ذلك هو الاستثناء.

المثير للأسى والسخط أن يتوالى هذا السيناريو اللعين لسنوات، دون ظهور بشائر لإبداع آليات مضادة، تقي المعنيين به فلسطينياً من شروره، وتسوق العاكفين عليه بين أجهزة الظلام الإسرائيلية إلى الكف عنه وهجرانه. المتداول بهذا الخصوص أن هذه الأجهزة تستحوذ على محلول شفاف، لا يرى ولا يتم التعرف عليه إلا بواسطة معدات تقنية شديدة التعقيد، تحملها قذائف طائرات الاستطلاع والأباتشي. وأن ما يلزم لإتمام عملية الاغتيال هو التأكد من مركبة المستهدف ثم رشها، وأحيانا ملامسته هو ذاته، بهذا المحلول، ثم تحديد دائرة تحركه في حيز جغرافي معين، ثم إطلاق القذيفة المبرمجة عليه بعد التأكد من وجوده في هذه الدائرة.

وسواء صح هذا التصور أم ابتعد قليلا أو كثيرا عن الحقيقة، فإن مشاهد النيل من قيادات المقاومة تشترك جميعها في قيامها على تضافر عوامل بعينها: عناصر بشرية مبثوثة في الوسط الفلسطيني، تستطلع وتراقب عن كثب وتتولى المهمات اليدوية (كرش المادة إياها..)، وتكنولوجيا متطورة، وتنسيق مركزي بين هذه وتلك، وقرار سياسي بالتنفيذ في لحظة مواتية لتحقيق أهداف سياسية أو حتى نفسية.وعليه، فإن مواجهة الظاهرة أو وقف نموها وحجب فعاليتها، تقتضي كسر هذه المكونات جزئيا أو كليا.

وتقديرنا أن المكون السياسي هو الأكثر استعصاء على الإزاحة في هكذا مواجهة. ذلك لاتصاله بالعقيدة الأمنية الصهيونية الإسرائيلية.. فاغتيال الرموز القيادية المقاومة للمشروع الصهيوني، عسكريا أو سياسيا أو حتى في مجال التنافس العلمي كبعض علماء الذرة، هو من ثوابت هذه العقيدة وتقاليدها الراسخة منذ كان هذا المشروع فكرة هائمة تبحث عمن يتبناها.

مؤدى هذا، أن المقاومة الفلسطينية (والعربية) للصهيونية فكرة وحركة ودولة.. سوف تعيش ما قدر لها العيش وسيف الاغتيال الصهيوني الإسرائيلي مسلط على رموزها، وهو ما يستدعي الانتباه طويل الأجل لبقية أثافي هذا التقليد الإجرامي.. لاسيما تلك التي يمكن غشيانها والتصدي لها بأدوات حماية تقع في متناول اليد. نعرف مع كثيرين كيف سمح الاحتلال المرير باختراقات استخبارية إسرائيلية واسعة النطاق داخل أحشاء المجتمع الفلسطيني، لكن العناصر الذين سقطوا بدافع أو آخر في بئر العمالة والتعاون لتسهيل الاغتيالات، ليسوا وحدهم المسؤولين عن الظاهرة.

هناك قطاعات المستعربين من الإسرائيليين المدربين خصيصا لأداء المهمة. ومن المنطقي افتراض أن الأجهزة الإسرائيلية تعتمد في عملياتها على هؤلاء الأخيرين بصفة أساسية واستثنائية، أقله لثقتها بأنهم مؤتمنون على أسرار التكنولوجيا المستخدمة في هذا السياق. ومع ذلك فإن المؤسسات الأمنية الفلسطينية مدعوة للاجتهاد الإبداعي في تصيد هؤلاء وهؤلاء بلا تمييز، بدلا من الانشغال الفائض بجبهة المماحكات الداخلية بين أهل البيت. وهي إن فعلت ذلك يصبح لبعضها كالأمن «الوقائي» نصيب من اسمها حقا وصدقا!.

ولأن لكل داء دواء، فإنه لابد من توجيه جهد فائق لإبطال مفعول التقنية المستخدمة في عمليات الاغتيال. عيب كبير أن تبقى أرواح القيادات الفلسطينية ودماؤهم معلقة بذمة مخترعات هي في التحليل النهائي، ومهما بلغت من التعقيد والتقدم إنتاجات إنسانية، يمكن وينبغي فك طلاسمها ومعالجتها بمعرفة علمية مضادة. وقد يجول بخواطر بعض الغيورين الحريصين على هذه الأرواح والدماء، نصح رموز المقاومة بالاستغناء عن استخدام السيارات والعودة إلى عصر البغال والجمال!..

لكن هذا التفكير الساخر ليس هو الحل المطلوب في منازلة تتطلب سرعة الحركة والمبادرة.. ثم إن كل وسائل التنقل ليست بمنجاة من تأثير أدوات يمكنها تعيين المستهدف أو التعريف بمكانه بمجرد ملامسته أو ملامسة موجودات تخصه بشكل حميم، كالملابس وجدران المنازل والأثاث. الأمر بحاجة إلى حلول من الجنس العلمي الذي تتوسل به أجهزة القتل الإسرائيلية بقدر رفيع من الجدية.

لنتذكر ما حدث مثلا إبان محاولة اغتيال خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس حاليا، في عمان عام 1997. فوقتذاك تحقق شفاء الرجل بعد حقنه بالترياق المضاد لسم عملاء الموساد. كل ما ندعو إليه راهنا هو الاعتبار بمجريات هذه المحاولة وذلك بالسعي الحثيث للحصول على الترياقات المضادة لتكنولوجيا القتل المستخدمة بين يدي سياسة اغتيال رفاق درب مشعل من كل فصائل المقاومة. ولا نحسب أن هذا السعي سوف يخيب إذا ما أحيط بالعناية اللازمة فلسطينيا والتعاون الصادق عربيا.

نطرح هذه الدعوة وما يتصل بها من قضايا تستحق المدارسة، ونحن على يقين بفشل إستراتيجية القتل المستهدف الإسرائيلية في تصفية المقاومة والمقاومين داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. ثم إننا على يقين أيضا بأن هذه الحركة ولودة ومعطاءة، وهي تمكنت دوما من ملء الفراغات التي طالما خلفتها هذه الإستراتيجية.

لكن هذه القناعات لا تعني التسليم بديمومة عمليات الاغتيال وكأنها قدر مقدور. خاصة عندما تراوح هذه العمليات حول الأساليب ذاتها بنمطية واضحة، لماذا لا تكن هذه النمطية والتكرارية حافزا لابتكار مضاداتها ومبطلاتها بإرادة الفعل الذاتي الفلسطيني أو بالتعاون مع جهات لآبد أنها موجودة في المجالات العربية والإسلامية والدولية.

نود القول بصيغة أخرى بأنه لا ينبغي التهاون في تحطيم مكونات سياسة اغتيال قادة المقاومة بكل السبل المتاحة والصعبة. فهؤلاء يمثلون خزانات للخبرة ومعامل لإنتاج أجيال من صفتهم وقماشتهم النضالية. وعلى وجودهم وتضحيتهم العالية والإقتداء بهم ينعقد لواء القضية التحررية الفلسطينية، علوا وانخفاضا وربما وجودا وعدما.

كاتب وأكاديمي فلسطيني