أطلقت الحكومة العراقية الجديدة برئاسة نوري المالكي بعيد تشكيلها مبادرة للمصالحة الوطنية أعلنها رئيسها في المجلس النيابي وعلى الرأي العام وقد لاقت المبادرة قبولاً أو رفضاً من تنظيمات سياسية موالية ومعارضة وشكلت بمجملها إشكالاً لم يحل بعد ومدار خلاف وتناقض بين الفئات السياسية العراقية.
وفي الوقت نفسه أقرت حكومة المالكي على التوازي خطة تهدف لتحقيق الأمن في بغداد العاصمة استعانت لتنفيذها بآلاف الجنود العراقيين والاميركيين وأعلنت حالة الطوارئ وقررت منع التجول في ساعات الليل، ثم قام رئيس الحكومة العراقية بزيارة السعودية والإمارات والكويت بهدف تسويق مبادرة حكومته وربما سيزور بلداناً عربية أخرى للسبب نفسه ومازال الحوار قائماً حول هذه المبادرة داخل العراق وخارجه وربما سيبقى عدة أسابيع أو أشهر أخرى.
إن المصالحة الوطنية العراقية هي هدف لمعظم التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية العراقية كما هي أهم أمنيات الشعب العراقي الذي افتقد الأمن والأمان والحياة الحرة الكريمة منذ بدء الاحتلال، وغدا من أكثر الشعوب العربية معاناة لا يضاهيه في ذلك سوى الشعب الفلسطيني، فالقتل (على الهوية) والبطالة وفقدان الأمن وتدمير البنية التحتية وانقطاع الرزق وانعدام الخدمات ونهب ثروات البلاد هي أقل ما يواجهه شعب العراق رغم إمكانياته الهائلة الكفيلة برفع مستوى عيشه ليكون من أفضل المستويات العربية،
ولذلك فهو في توق للمصالحة الوطنية وربما هذا ما شجع حكومة المالكي على صياغة المبادرة وإعلانها واعتبارها مفتاح الحل لمشاكل العراق وواقعه المأساوي، ولا يستطيع أحد أن ينكر أهمية هذه المصالحة أو يتجاهلها أو يزعم أنه يمتلك حبل إنقاذ العراق بدونها، ولذلك رحب الجميع بها، على أن تستوفي شروطها لتكون جادة ومتوازنة وآخذة مصالح الجميع وظروف الجميع وحاجات البلاد والظروف المحلية ثم الإقليمية والدولية باعتبارها، وإن لم تستوعب الشروط التي تؤهلها على تحقيق ذلك فإنها ستبقى تعبيرا عن نية طيبة ورغبة حسنة سواء من رئيس الحكومة أم من بعض المشاركين فيها، وهذا ما تراه بعض القوى الرافضة لها.
لوحظ أن مبادرة المصالحة العراقية التي اقترحتها الحكومة خلت حتى من الإشارة إلى الموقف من الاحتلال وقوات الاحتلال وكأنه احتلال لبلد آخر غير العراق، فلم تقل ما هو موقفها منه أولاً ومن بقائه أو انسحابه ثانياً ومن دوره خلال الفترة التي تسميها انتقالية ثالثاً، وهل ستبقى الإدارة الاميركية وعساكرها في العراق هي صاحبة القول الفصل في كل شيء،
ويبقى لها الحق بفرض آرائها وتسيير جنودها ومداهمة بيوت العراقيين وفتح السجون الخاصة بها وفرض التعاقد مع الشركات التي تختارها وتعطيل دور العراق الإقليمي، وباختصار هل سيبقى العراق تحت الانتداب بل الاستعمار الاميركي؟ وإلى متى؟ وما هو مستقبل الوجود الاميركي وهل ستكون له قواعد دائمة في العراق ويبقى العراق جزءاً من الاستراتيجية الاميركية (السياسية والعسكرية) في المنطقة، فضلاً عن تساؤلات عديدة أخرى.
وفي الوقت نفسه استثنت المبادرة من المصالحة كل من حمل السلاح ضد القوات الغازية أي استثنت قوات المقاومة العراقية الحقيقية التي توجه سلاحها للمحتل، وخلطتها (ويبدو أنها عامدة) مع قوى الإرهاب الأخرى من تكفيريين أو ميليشيات أو عصابات مسلحة أو غيرها من الذين يوجهون أسلحتهم ضد المدنيين الأبرياء من شعب العراق وإن كان طبيعياً أن تستثنى هذه العصابات من المصالحة المنشودة فإنه من غير المنطقي أن تستبعد قوى المقاومة الوطنية التي تحارب الاحتلال وتقض مضاجعه والتي لولاها لكان الصلف الاميركي أكثر بمرات مما عليه الحال الآن، والحق أن هذه المقاومة تستحق التشجيع والاحترام من كل أبناء الشعب العراقي وليس المصالحة معها فقط.
لقد انطلقت الحكومة العراقية في إعداد مبادرتها التصالحية من الواقع القائم أي واقع المحاصصة والمحافظة على ثغرات الدستور الذي أعد وأقر حسب رغبة قوى الغلبة وقوى الاحتلال، ومن التسليم بقرارات (بريمر) الحاكم المدني للعراق في الأشهر الأولى للاحتلال واعتبارها شرعية، ومن الاعتراف بل والاستسلام أمام قوى الغلبة ومصالحها، وقوى الفساد والإفساد، وقوى الميليشيات المسلحة،
وسكتت عن النهب والسلب وتمديد أنابيب النفط الخاصة و(تعهيد) الوزارات والمؤسسات للوزراء والمدراء وأحزابهم من ورائهم، وهي وإن وعدت بخجل بحل الميليشيات دون أن تقول كيف، إلا أنها لم تعد بشيء يتعلق بتعديل الدستور ورد المظالم وإعادة النظر بمبدأ المحاصصة ذلك الداء الوخيم الذي أفقد العراقيين مرجعيتهم الواحدة أعني مرجعية المواطنة العراقية وما ينتج عنها من مساواة وتعددية وتكافؤ فرص وديمقراطية حقيقية مما يغني البلاد بتعدد ثقافاتها وإثنياتها وبدلاً عن ذلك تجاهلت تعدد المرجعيات وانطلقت من تكريس هذا التعدد ومن تقاسم قطعة الجبن حسبه ومن تقسيم المجتمع عمودياً إلى طوائف وإثنيات تدق أسافين بين فئاته وتياراته الثقافية والإثنية والاقتصادية والدينية.
تعرف الحكومة العراقية ويعرف رئيسها على الخصوص (وهو الذي انتقل من الماركسية إلى القومية إلى الليبرالية ثم إلى التيار الإسلامي) أن المصالحة الوطنية في أي بلد لا تأتي من اتفاق بين الفئات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على تقاسم الغنيمة، وإنما من اتفاقها جميعاً على عقد اجتماعي وتوافقات وطنية تشكل القاسم المشترك بين الجميع، فالمصالحة والحالة هذه لا تعني توزيع المكاسب بين الشركاء بل تأميمها للوطن كله وللمواطنين كلهم، وأي مصالحة لا تنطلق من القبول بمرجعية واحدة وبمساواة الجميع في الحقوق والواجبات هي ليست مصالحة بالتأكيد وإنما اتفاق بين شركاء يأخذون مصالحهم الذاتية بعين الاعتبار متجاهلين مصالح الشعب كله والوطن كله.
إن الصلح خير، والمصالحة هي الحل الوحيد القادر على إنقاذ العراق مما هو فيه، وإيقاف شلال الدم وانعدام الأمن وتنامي شريعة الغاب والعجز عن إعادة البناء وتأمين الحياة الكريمة للشعب العراقي الذي يستحقها، ولكن للمصالحة شروطها الجادة والشاملة وعلى رأسها الاعتراف بحقوق جميع المواطنين والمساواة بينهم كمواطنين أفراداً أحراراً، ولن يتم ذلك دون موقف واضح ووطني وحاسم من الاحتلال ومثله من الميليشيات المسلحة ومن التدخل الخارجي، وإلا سيبقى الشعب العراقي بين حجري الرحى (الاحتلال والميليشيات) تسحق عظامه وتعتصر دماءه ولن ينفع الكلام المنمق والنوايا الحسنة بديلاً لحل وطني جاد ومسؤول كفيل بإنقاذ البلاد والعباد.
كاتب سوري
