في عالم يعجّ بالشعارات والادعاءات والأدعياء كعالمنا العربي، فإنك لا تستغرب فشل أغلب الخطط والبرامج الهادفة إلى الارتقاء بمستوى حياة الإنسان البسيط القابع في المدينة الحاوية لكل التناقضات والالتباسات. أو الأبسط منه ذلك المتردي بأوضاعه في الأرياف والقرى العربية الضاجة بالجهل والفقر والمرض والتخلْف.. فلا شيء ـ برغم كل الشعارات والخطب والبرامج التي يعلن عنها يومياً منذ قرن من الزمان ـ قد تغيّر!! والإنسان لم يصبح أهم من المكان في أي مكان بالوطن العربي!

فعندما تتجول في أرياف أوروبا وقراها المرسومة بألوان قوس قزح، والمؤثثة بالنظافة والنظام وسبل الراحة والمتعة ـ نحن نتحدث عن أرياف.. تذكروا جيداً ـ فإننا نتحسّر على حالة ابن الريف العربي الذي ارتبطت أحواله بكل رموز التخلف التي عرفتها البشرية منذ خلق آدم وحتى اليوم، أما عندما تتجول في المدن فإنك تعلم بأن «الإنسان قبل المكان» هي ثقافة وتنشئة وتربية تترجمها سلوكيات الناس في مجمل حركتهم الحياتية، وليس مجرد شعار يطلق لتجميل صورة هنا، ومؤسسة هناك، دون أن يكون لها تطبيق إلا في أضيّق الحدود!

لا أدري سبباً وجيهاً يجعل الإنسان العربي بالمطلق قانعاً بتخلفه إلى هذه الدرجة المثيرة للأعصاب، وكأنه كائن منزوع الأعصاب، وقابع بضياع حقوقه السياسية إلى الدرجة التي ينظر فيها إلى حقوق الإنسان، وكأنها بدعة يدعو الله أن ينجيه من ويلاتها وآثامها، وتمن ثم قانع باستلاب حقوقه الاقتصادية لصالح القوى العظمى،

حتى وإن كانت هذه «القوى العظمى» موظفاً حكومياً بسيطاً ليس أكثر، أو عضواً في البرلمان، أو عضواً في ناد رياضي أو ناد دولي يضم عدداً من كبار الرأسماليين الجشعين الذين يعملون ليل نهار ليزداد الأغنياء غنى والفقراء بؤساً وتعاسة!

لا أدري لماذا نمارس السياسة بطريقة صناديق الانتخابات المحروسة برجال وزارة الداخلية، والتي ينجح ويفوز بنتيجتها الحزب الحاكم دائماً، والقوى الممثلة للحكومة أو القريبة منها ومن دائرة النفوذ، ودائماً بنسبة 99%! حتى لكأن المواليد والرضّع قد أدلوا بأصواتهم، وحتى المرضى في المستشفيات ونزلاء السجون ودور المسنين ومستشفيات المجانين!

فإذا كان العقلاء لا يذهبون إلى تلك الصناديق إيماناً بحجم الكذب فيها، فمن أين تأتي نسبة ال99% التي يعلن عنها في بعض أنحاء الوطن العربي التي تتباهى بالديمقراطية، وبالحاكم المنتخب من قبل شعبه انتخاباً حراً ونزيهاً؟!

لماذا نحاكي أفلام أميركا فنصدق بأن كل سكان الوطن العربي ينعمون بخيرات الوطن العربي المفعم بالخيرات والثروات، وبأن لكل مواطن عربي منزلاً وسيارة وحديقة خلفية يمارس فيها حفلة شواء عائلية حميمة في عطلة نهاية الأسبوع؟ وبالتأكيد فإن له وظيفة محترمة تدر عليه دخلاً يليق بمعيشة فرد في وطن قيل عنه مراراً بأنه من أكثر المناطق ثراء بالنفط والمعادن والممرات التجارية و... إلخ!

لماذا فقَد المواطن العربي رغبته الإنسانية الطبيعية في التغيير نحو الأفضل؟ هل فقد الرغبة أم فقد الإرادة، ام يفتقد الحس الإنساني المجنح نحو الحرية وفضاءاتها؟لقد بذلت أوروبا مساعي جبارة للخلاص من تركة الحروب العالمية والأهلية، ومن آفات التخلّف والتضييق على العقول ومن شرور الديكتاتوريات،

وتوصلت أخيراً إلى وحدتها سياسياً واقتصادياً، وها هي معظم دول أوروبا تتباهي بالاتحاد الأوروبي وباليورو كعملة موحدة، لكن ذلك لم يمنع بلداً عريقاً بديمقراطيته ـ كالسويد مثلاً ـ من أن يقول لا لليورو ذات يوم وأن ينجح في فرض هذه ال(لا) على كل الاتحاد الأوروبي محتفظاً بعملته المحلية حتى اليوم.

لقد فرض السويديون رأيهم الحر الديمقراطي بواسطة صناديق اقتراع حقيقية وبنسبة 56% فقط، وليس 9,99%، وظلوا يرقصون حتى الصباح فرحين بانتصارهم، وحق لهم أن يفرحوا، لأن ما تضامنوا على تحقيقه كان انتصاراً حقيقياً أفرزته صناديق اقتراع حقيقية محمية بقوة القانون وحقوق الإنسان، وليس بقوة رجال الأمن والمخابرات ووزارات الداخلية، كما يحدث في أمكنة كثيرة رضيت بالتخلف شعاراً وتهمة وواقعاً يومياً!!.

sultan@dmi.gov.ae