أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن استراتيجية جديدة لروسيا في تصنيع التكنولوجيا العسكرية وتصديرها للخارج، وتهدف هذه الاستراتيجية الجديدة إلى تحقيق أعلى قدر من المنافسة في السوق العالمية للسلاح بتوفير أحدث وأقوى التقنيات العسكرية، وإنشاء مجمع صناعي حربي عالمي ينافس المجمع الصناعي الغربي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية بالتعاون مع الدول الصديقة والحليفة لروسيا.
وقال الرئيس بوتين «إن تحليل التوجهات الحالية في السوق العالمية للسلاح يؤكد عدم قدرة أي بلد بمفرده على تلبية حاجة السوق وامتلاك جميع عناصر التكنولوجيا المتقدمة والضرورية لتصنيع الأسلحة الحديثة والمعقدة، وليس لدى المؤسسات الموجودة حاليا في العالم الموارد المالية الكافية لتصنيع منظومات الأسلحة الضخمة»،
وأكد الرئيس بوتين في حديثه على ضرورة تعاون الدول فيما بينها في تصنيع السلاح الحديث والإشراف على بيعه وتسويقه في مختلف أنحاء العالم، وشبه سوق السلاح العالمي بسوق النفط من حيث اختلاط السياسة بالاقتصاد والتجارة، الأمر الذي يستلزم بالضرورة تعاون الدول فيما بينها حتى لا يخضع سوق السلاح العالمي لاحتكارات عالمية تتركز في أيدي مجموعات محدودة من البشر لا يهمها بدرجة كبيرة تحقيق الأمن والسلام في العالم،
وقال إن الإنتاج الروسي من السلاح يواجه منافسة غير عادية في السوق العالمي وخاصة في القارة الآسيوية، ورغم هذا استطاعت روسيا أن تثبت وجودها بجدارة حيث بلغت مبيعاتها في هذه السوق عام 2005 نحو خمسة مليارات من الدولارات،
وهو ما لم تحققه أي دولة أخرى في هذه السوق، وأكد بوتين على أن روسيا ستسعى لتأسيس شركات مشتركة مع الدول الصديقة لتصنيع الأسلحة الحديثة، مشيرا إلى الشركة الروسية الهندية المشتركة « براموس» التي مضى على تأسيسها تسع سنوات وبدأت مؤخرا في طرح انتاجها من التقنية العسكرية الحديثة في الأسواق الآسيوية وغيرها.
لقد بات واضحا دعم الدولة وإشرافها التام على الشركات الوطنية الروسية المنتجة والمصدرة للسلاح، و هذا أمر هام من نواح كثيرة، ومنها أن المشترين للسلاح يطلبون ضمانات من الدولة المنتجة، ويثقون في ضمانات الدول أكثر من الشركات، وخاصة في العقود والصفقات الكبيرة.
استراتيجية بوتين في رأي البعض من المراقبين موجهة في الأساس ضد المجمع الصناعي الحربي الأميركي الذي تملكه احتكارات خاصة لا تخضع لسيطرة الدولة والذي يوجه إليه الكثيرون الاتهامات حول إيجاد الحروب والنزاعات في كل أنحاء العالم من أجل الترويج لانتاجه من السلاح،
وتأكيد بوتين على دعم الدولة وإشرافها على صناعة السلاح وتصديره، وكذلك تشبيهه سوق السلاح بسوق النفط العالمي يؤكد على أن روسيا لن تسعى للربح والمال في سوق السلاح بقدر ما ستسعى إلى تحقيق أهداف تدعم طموحاتها السياسية والاستراتيجية على الساحة الدولية، وهو ما كان قائما في الاتحاد السوفييتي.
ولكن هل يستطيع المجمع الصناعي الروسي منافسة نظيره الأميركي؟
البعض يرى أن التعاون المشترك بين روسيا والهند والصين في تصنيع السلاح من الممكن أن يوفر كافة الإمكانيات لتأسيس مجمع صناعي حربي عالمي، وهو ما تسعى روسيا لتحقيقه معتمدة على الاستثمارات من البلدين، وسيكون الأمر بالنسبة لكل من الهند والصين أكثر فائدة من جميع النواحي حيث تشكل مشترياتهما من السلاح أكثر من سبعين في المئة من صادرات روسيا،
ويرشح البعض ماليزيا لتكون الشريك الرابع لروسيا والصين والهند في هذا المجال نظرا لما أبدته كوالالمبور من اهتمام كبير بهذا الأمر في الأعوام الثلاثة الماضية، وقد منحت مؤسسة «روس أبورون» الروسية لتصنيع وتصدير السلاح كلا من الهند والصين تراخيص لتصنيع بعض منتجات السلاح مثل طائرات « سوخوي 27 » للصين و «سوخوي 30 » للهند، وتنوي منح تراخيص تصنيع منتجاتها لدول أخرى لم تعلن عنها بعد.
لجنة الدفاع في الكونغرس الأميركي تنتقد سياسة روسيا في التصنيع المشترك للسلاح مع الدول الأخرى، وقدمت في تقريرها للكونغرس ما يفيد بأن روسيا تلجأ للتصنيع المشترك مع كبار المستوردين منها كوسيلة لتسويق أسلحة محظور بيعها وفقا للاتفاقات المبرمة بين موسكو وواشنطن ووفقا لمعاهدات الحد من انتشار السلاح، وطالبت اللجنة الكونغرس الأميركي بالتدخل للحيلولة دون خروج السلاح الروسي المحظور للأسواق العالمية،
و ردا على هذا الموقف قال رئيس شركة «روس أبورون الروسية» سيرجي تشيميزوف إن «أي قرار من أي جهة في الولايات المتحدة يحظر بيع أسلحة محددة ليس ملزما من قريب أو بعيد لروسيا، ونحن غير ملتزمين بغير القرارات والمعاهدات الدولية، ولدينا بالفعل أسلحة نحظر بيعها لأحد، مثل منظومات الصواريخ المحمولة المضادة للطائرات، والتي لا نبيعها للدول الأخرى وخاصة في المناطق الساخنة».
ما أعلن عن الاستراتيجية الروسية الجديدة لتصنيع السلاح لم يتضمن السلاح النووي، والذي تتهم واشنطن روسيا بأنها تخلت عن كل التزاماتها ومعاهداتها مع واشنطن بشأن تصنيعه وتطويره، وتقول واشنطن ان اتفاقي «سولت 1، وسولت 2» بين موسكو وواشنطن حول الحد من انتاج وانتشار الأسلحة الاستراتيجية قد أصبحا في طي النسيان،
وان روسيا عادت تطور أسلحتها الاستراتيجية التي نصت الاتفاقيات على حظرها. من جانبها لم تعر موسكو هذا الأمر أي اهتمام، وأعلنت بالفعل عن تطوير أسلحتها الاستراتيجية، حيث أعلن في أواخر ديسمبر الماضي عن نجاح تجربة إطلاق صاروخ عابر للقارات من طراز «بولافا» من غواصة نووية روسية في بحر الشمال،
و هذه ثاني تجربة ناجحة لإطلاق الصاروخ الذي يصل مداه إلى ثمانية آلاف كيلومتر ومعد لحمل عشرة رؤوس نووية تصيب عشرة أهداف مختلفة، و هذا الصاروخ يصعب على أية دولة أخرى انتاج مثيل له في الوقت الحاضر - على حد قول الرئيس بوتين نفسه -، و يعيد للقوة العسكرية النووية البحرية الروسية مكانتها وصدارتها، وسيدخل للعمل في القوات العسكرية الروسية عام 2007 مع غواصتين نوويتين جديدتين.
وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف في زيارته الأخيرة لواشنطن عندما واجهه الصحافيون بمسألة تطوير روسيا لترسانتها النووية وتأثيره على علاقاتها مع واشنطن قال «إن تخلي روسيا عن السلاح النووي لن يؤدي إلى تعميق علاقاتها مع واشنطن وحلف الناتو كما يدعي البعض، والسلاح النووي الروسي لا يشكل أي تهديد بقدر ما يشكل ردعا استراتيجيا إيجابيا، والاحترام المتبادل بين روسيا وأميركا قام في الأساس على آداب وقواعد الردع النووي»
وفي موسكو كان لوزير الدفاع الروسي بعد ذلك حديث آخر أكثر حدة حول هذه القضية حيث قال «إن روسيا سوف تضطر لإعادة النظر تماما في سياستها في استخدام السلاح النووي وفي التزاماتها الدولية في هذا المجال، لأن واشنطن نفسها غيرت سياساتها وتخلت عن التزاماتها في استخدام السلاح النووي، وهذا ما سمعناه وعلمناه مؤخرا من أن واشنطن تنوي توجيه ضربات نووية لقواعد الإرهابيين المشتبه بقيامهم بتصنيع أسلحة دمار شامل»، وحذر إيفانوف من أن هذه السياسة من جانب واشنطن سوف تعيد بالقطع سباق التسلح النووي وشبح الحرب النووية أيضا.
نحن في روسيا لا نستطيع أن نفهم لماذا تحتفظ أميركا في قواعدها العسكرية في أوروبا بنحو مئتي قنبلة نووية، هل هذا من أجل مكافحة الإرهاب وردع الإرهابيين، وهل يمكن تخويف الإرهابيين بالسلاح النووي ؟ وما وظيفة مجموعة التخطيط النووي التي تعمل الآن في قيادة حلف الناتو في أوروبا ؟
وماذا يمكن أن يقال عن قيام واشنطن بتصنيع قنابل نووية صغيرة ذات طاقة ميدانية محدودة لاستخدامها في ساحات المعارك الحالية ؟ أليس هذا كله يعطينا الحق في روسيا في تطوير أسلحتنا النووية للحفاظ على أمن وطننا؟ من الطبيعي أننا لا نثق في واشنطن، ونعلم أنها تحاول خداعنا دائما تحت شعارات الشراكة والتعاون المشترك .
جامعة سيبيريا