منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في مطلع عشرينيات القرن المنصرم لم يسمح العراقيون بوجود دور لإيران أو لغيرها في بلدهم، بل كان المدخل في العلاقة مع دول الجوار هو الاحترام المتبادل للسيادة، وضعف العراق في الوقت الحاضر ليس غير حالة مؤقتة ينبغي أن لا يترتب عليها بنيان يضر بمصلحته ويحجم من سيادته.
إن الدور الإيراني في المنطقة ليس بالأمر الجديد، فإيران قد مارست هذا الدور عبر كل العصور ابتداءً من قيام القائد الفارسي قورش بإسقاط الدولة البابلية في القرن السادس قبل الميلاد، مروراً بفترة الحروب الطويلة بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية طمعاً بالأراضي العراقية، ولسنا بصدد تقييم هذا الدور وإصدار حكم بشأنه في هذه السطور،
فقد كان العراق في حينه أرضاً يتبادل العثمانيون والفرس احتلالها، ولم يكن لأبنائها رأي فيما يجري سوى حصاد نتائج هذا الصراع، فصاحب القرار في أغلب تلك الأحيان كان يقبع في إستانبول. أما في العصر الحديث فإن تدخلات شاه إيران السابق وممارسته لدور الشرطي في المنطقة فهي ليست بعيدة عن الأذهان.
لا أحد يمنح الحق في ممارسة دور سياسي في مكان ما لأحد آخر، فحق كهذا يُنتزع ويفرض كأمر واقع إذا توافرت عناصر ذلك، إذ لم تمتلك أي من القوى العظمى المعروفة نفوذاً في الساحة الدولية إلا حينما امتلكت أسباب القوة، وهي التفوق في العلوم والتكنولوجيا وما ترتب على هذا التفوق من نهوض اقتصادي عزز إستراتيجية القوة والنفوذ.
تُعد إيران، من غير شك، دولة مهمة في الشرق الأوسط من حيث المساحة الجغرافية والحجم السكاني والموقع الإستراتيجي الذي تطل فيه إطلالة واسعة على حقول النفط في الخليج العربي وفي بحر قزوين، هذا إضافة إلى البعد الحضاري التاريخي الذي تتمتع به. وهي بحكم مساحتها الشاسعة لا يقتصر الدور المتوقع لها على منطقة الشرق الأوسط، وإن كانت هذه المنطقة تحظى أكثر من غيرها باهتمامها،
إلا أن وسط آسيا وجمهورياته الإسلامية هي الأخرى لها موقع خاص في الإستراتيجية الإيرانية، وبالأخص مع تعزز العلاقات التجارية والدبلوماسية مع كل من روسيا والصين اللتين تقفان في موقف متعاطف مع إيران في الأزمة النووية، والتي قد تكون دافعاً لدخول إيران في تحالف مع هاتين الدولتين لتحجيم النفوذ الأميركي وسط آسيا وإضعاف الدور التركي القوي والمنافس لدورها سواء في الشرق الأوسط أو في وسط آسيا.
إن الدور الذي يمكن أن تلعبه أية دولة في محيطها الإقليمي يتحدد بعوامل عديدة يكمل بعضها البعض الآخر، أبرزها قدرة هذه الدولة على لعب هذا الدور والاستمرار فيه من خلال قدراتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية وقدراتها في إقامة التحالفات والتوازنات التي تحفظ لها هذا الدور. فمن تجارب الماضي كانت ألمانيا في نهاية ثلاثينيات القرن المنصرم أكبر قوة عسكرية في أوروبا وكان الشعب الألماني أحد أبرز شعوب العالم التي أسهمت في التقدم العلمي والتكنولوجي في شتى المجالات،
إلا أنها فشلت في إقامة التحالفات التي تضمن لها دوراً ونفوذاً في السياسة العالمية وذلك بسبب كون أهدافها وإستراتيجيتها غير مقبولتين من قبل الدول الأوروبية الأخرى، إذ لم تجد إلا نظاماً واحداً مشابهاً لها في أوروبا، وهو نظام موسوليني في إيطاليا يصلح لأن يكون حليفاً مرحلياً لها تاركة بقية الدول الأوروبية الأخرى تنتظم في الصف المعادي.
كما أن من ضمن الضرورات التي تؤهل دولة ما للحصول على دور سياسي خارج حدودها الجغرافية هو تمتعها بحصانة داخلية تقيها الأزمات والتمزق الاجتماعي وتمنحها هوية وطنية واحدة، وهذا ما كان يعوز العراق الذي لم يستطع نظامه السياسي السابق استيعاب التنوع الإثني والديني والمذهبي،
الذي يمتاز به الشعب العراقي، في إطار مدني مقنع يحصل فيه الجميع على حقوقهم ويتساوون في الفرص المتاحة. وربما ما كان يعوز العراق يعوز أيضاً دولاً عديدة في المنطقة ويحجم من فرص حصولها على المزيد من النفوذ في المنطقة.
تحتفظ إيران في الوقت الحاضر بعلاقة قوية مع سوريا ومع بعض الأحزاب الدينية مثل حزب الله في لبنان ومؤخراً مع حركة حماس الفلسطينية، ولكنها لا تحتفظ بعلاقات شفافة مع الدول العربية الأخرى خاصة دول الخليج العربية التي تشترك مع إيران في الإطلالة على الخليج العربي. فعودة إيران، تحت قيادة أحمدي نجاد، إلى تفعيل الخطاب الثوري تترك الدول المجاورة لها في حالة من التوجس حول مستقبل الإستقرار في المنطقة وما يترتب على ذلك من تدخلات أجنبية.
إن إقامة نظام جديد في منطقة الشرق الأوسط، بإرادة وقناعة شعوبها، يكون فيه لإيران دور يتناسب مع أهميتها ويكون للعرب دور يتناسب كذلك مع حجمهم وأهميتهم أمر يتطلب الكثير من الجهد والمرونة السياسية التي قد تجعل الشرق الأوسط الذي فيه الكثير من المشترك الثقافي والتراثي منطقة أكثر أمناً واستقراراً.
ولكن ذلك يتطلب قبل كل شيء توافر النوايا الحسنة والشفافية والعمل على إزالة الخلافات حول الكثير من القضايا العالقة، والعمل في حالة عدم الاتفاق على حلول لها على إحالتها إلى جهات عالمية تابعة لمنظمة الأمم المتحدة مثل محكمة العدل الدولية والقبول بنتائج التحكيم التي تصدر عنها.
إن من حق إيران أن تطلب من جاراتها أن لا تكون ملجأً لنشاط سياسي معادٍ لها طالما كان هذا الجار لا يتعامل مع قضايا اللجوء السياسي كما تتعامل دول أوروبية تسمح ببقاء اللاجئين السياسيين في أرضها أياً كانت توجهاتهم السياسية حتى لو كانت معادية للدول التي تمنحهم حق اللجوء. كما أن من حق جميع دول المنطقة، الصغيرة منها بشكل خاص، أن توفر الضمانات لأمنها عن طريق إقامة العلاقات المتوازنة إقليمياً ودولياً.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae