عدتُ قبل أيام من جولة جميلة في أوروبا مع بعض الأصدقاء، ذهبنا خلالها إلى أعلى قمتين في أوروبا وزرنا العديد من المدن الجميلة التي تحفها الجبال وتكحلها الأنهار الزرقاء المائلة إلى الاخضرار. ولسوء حظنا أن جولتنا هذه تزامنت مع بطولة كأس العالم لكرة القدم، وهي البطولة التي يتابعها من يحب كرة القدم ومن يكرهها على حد سواء، فهي الحدث الذي يشاهده أكبر عدد من البشر في التاريخ حيث يحضره أكثر من مليار شخص، وهي اللغة الوحيدة التي يتكلمها معظم سكان الأرض وإن لم يكونوا يتقنونها.
ومن سوء حظي أنني كنت مع مجموعة من الأعزاء الذين يحبون كرة القدم أكثر مني، حيث كانوا حريصين على متابعة المباريات في وقتها مما اضطرني إلى تعديل برنامج الرحلة ليتناسب مع أوقات مباريات «العمالقة» ـ كما يحلو للبعض تسميتها ـ وبالرغم من عدم كوني من «المهووسين» بكرة القدم إلا أن أصدقائي أجبروني على متابعتها لكثرة حديثهم عن اللاعبين «وفنياتهم» طوال الرحلة،
حتى ونحن نعتلي أعلى جبال العالم لنطل على السهول الثلجية المرصعة بالبحيرات الخضراء المترامية هنا وهناك، كان الحديث لا يتجاوز فنيات «زيدان» وتكتيكات «رونالدو» مما دفعني إلى مشاهدة بعض مقاطع الفيديو المخزنة في هواتف الشباب للتعرف على هذه الفنيات التي أقر لكم بأنها تستحق المشاهدة.
وفي خلال انتقالنا من بلد إلى آخر شدني كيف أن السيارات «الوطنية» إن صح التعبير هي الأكثر استخداماً، ففي فرنسا كانت «البيجو» تملأ الشوارع، حتى أن رفاقي - الذين لا تقل معرفتهم في السيارات عن كرة القدم - أخذتهم الدهشة للأنواع الغريبة والجميلة لهذه السيارات التي لم نرها يوما في دول الخليج.
وفي إيطاليا كانت «الفيات» هي السيارة الرسمية هناك، حتى أنني أحسست للحظة بأن السيارة اليابانية التي كنت أقودها أشبه بنا نحن العرب في تلك البلاد الأوروبية. وفي فرنسا كان «كارفور» هو «السوبرماركت» المعتمد هناك، فأذكر أنني دخلت أحد فروعه الرئيسية في الريف الجنوبي لأشتري بعض الأغراض الشخصية وطلبت من سائق التاكسي أن ينتظرني حتى أرجع،
لأتفاجأ بأنني في مركز تجاري ضخم اسمه «كارفور» يضم بين جدرانه جميع المستلزمات المنزلية من غرف النوم إلى معجون الأسنان. أما في سويسرا فلم أر أي أثر لكارفور أو أي متجر أوروبي مماثل إلا ما ندر، وكان البديل هو «كووب» وهو متجر سويسري شبيه بكارفور ولكنه يختلف عنه في أحجام فروعه التي تتراوح بين دكان صغير ومركز تجاري متكامل.
أحد الأمور التي استغربنا منها في باريس التي لا يكاد يخلو أحد شوارعها من مقهى أو اثنين هو غياب أكبر مقاهي العالم «ستاربكس» وهو المقهى الذي يزوره في الأسبوع أكثر من خمسة وعشرين مليون زائر حول العالم، وهو المقهى الذي يرسل بنماذج من القهوة الجديدة إلى بعض مقاهي باريس لأخذ آراء «المتذوقين» قبل طرحها في الأسواق، لم نجد له إلا بعض الأفرع الخالية من الزوار تقريبا في أكثر مدن العالم زيارة، وفي الحقيقة فإن ستاربكس له خمسة وعشرون فرعاً فقط في فرنسا كلها.
أثارني سؤال هو: لماذا يستخدم معظم الفرنسيين سيارات البيجو؟ ولماذا يستخدم معظم الإيطاليين سيارات الفيات؟ ولماذا لا نجد كارفور في سويسرا؟ ولماذا لا يتكلم سكان وسط وشمال سويسرا غير اللغة الألمانية؟ كنت في أحد المحلات الشهيرة في مدينة زيورخ وعندما أعطيت البائعة بطاقة الائتمان لاقتطاع المبلغ المطلوب قامت عن طريق الخطأ باستقطاع المبلغ مرتين، ثم أرادت أن تستقطعه مرة ثالثة فحاولت أن أشرح لها خطأها لكنها لم تفهم!
وقالت أنها لا تتحدث الإنجليزية، وعندما حاولت جاهداً أن أشرح لها وزميلاتها - بالإنجليزية البسيطة جداً والخالية من جميع القواعد اللغوية - اكتشفت أن جميع الموظفين بمن فيهم مدير المحل لا يعرفون حتى التحية بالإنجليزية! وعندما نظرت حولي وجدت جميع الواقفين في الطوابير ينظرون إلي باحتقار لأنني أبحث عمن يتحدث الإنجليزية، فأخذت بضاعتي وخرجت من المحل وقلت: عوضي على الله.
كذلك هم الإيطاليون والفرنسيون، ففرنسا هي أكثر دولة تزار في العالم وإيطاليا تحتل المرتبة الرابعة في نفس التصنيف، فلماذا إذن لا يتحدثون الإنجليزية؟ كنت في جلسة نقاش مع أحد أصدقائي الفرنسيين وحين سألته عن صعوبة توفر قائمة طعام بالإنجليزية في شارع الشانزليزيه رد علي: ولماذا اللغة الإنجليزية؟ ألم تحتسِ أنت وغيرك القهوة وأكلتم أحلى المأكولات في الشانزليزيه؟ فقلت له نعم، فقال: لماذا إذن نضع قوائم طعام بالإنجليزية ولماذا يتعلم العاملون هناك اللغة الإنجليزية!
لقد لعب الاقتصاد دوراً مهما في تعزيز الهوية الوطنية لدى الأوروبيين وغيرهم من الدول الصناعية، وأصبح دعمهم لهذا الاقتصاد هو الركيزة الأساسية للحفاظ على هويتهم فتجدهم في جميع تعاملاتهم يصرون على توظيف لغاتهم والإصرار على التخاطب مع الآخر بها، والغريب في الأمر أنهم لا يشعرون بالدونية أو بالحرج من عدم معرفتهم للغة الإنجليزية، وأصبحت الشعوب الأوروبية
بالرغم من وحدتها حريصة كل الحرص على الحفاظ على هويتها الوطنية حتى وإن كلفها هذا جودة أقل من الجودة اليابانية، وحتى وإن كلفها ذلك أن تفقد بعض الملايين من السياح بسبب اللغة ـ الأمر الذي لم يحصل حتى الآن ـ فهويتها هي مصدر بقائها وأساس تفوقها بين الأمم. وكلنا قرأ عن الموقف الذي اتخذه الرئيس الفرنسي جاك شيراك قبل عدة أشهر عندما انسحب من اجتماع القمة الأوروبية لدى سماعه مواطنه رئيس لوبي الأعمال الأوروبي يلقي كلمته باللغة الإنجليزية،
معتبراً هذا التصرف إهانة للجهود التي قامت بها بلاده لتعزيز التحدث باللغة الفرنسية في المؤسسات والمنظمات الدولية، من الاتحاد الأوروبي إلى الأمم المتحدة إلى الألعاب الاولمبية. وأكد أن ذلك ليس مصلحة قومية لفرنسا فقط ولكنها من مصلحة الثقافة والحوار بين الثقافات، فلا يمكن بناء عالم بالاعتماد على لغة واحدة أو ثقافة واحدة. أعود لأصدقائي عشاق كرة القدم،
فعندما فاز الفريق السويسري نزلوا إلى الشوارع للاحتفال مع سكان المدينة الذين خرجوا جميعهم في مسيرات غير منظمة، وعندما حضروا مباراة البرازيل ارتدوا القمصان الصفراء، وفي مباراة فرنسا ارتدوا القمصان الزرقاء. وقبل نهاية الرحلة قام بعضهم بشراء مجموعة من القمصان التي كتبت عليها أسماء أشهر لاعبي البرازيل وفرنسا التي وجدوها بعد جهود مضنية وذلك لندرة هذه القمصان بالإضافة إلى أحذية رياضية لنفس اللاعبين،
فراودني سؤال أشفقت على نفسي من طرحه عليهم، وأظن أن جميع العرب معنيون به وهو: لماذا لا نلبس قمصان «كتب» عليها أسماء لاعبين عرب؟ ـ هذا إن وجدت ـ ولماذا نشتري نحن العرب من المحلات الأجنبية ولا نشتري من المحلات الوطنية؟
والسؤال الأهم هو: هل يستحق اللاعبون العرب أن نحمل أسماءهم على ظهورنا؟ وهل تستحق جمعياتنا التعاونية أن نضحي بأوقاتنا وأعصابنا والأهم من ذلك ببطوننا لنشتري منها؟ وهل سنستطيع يوماً ما أن نتوقف عن تعليم أبنائنا اللغة الإنجليزية، أم أنه ضرب من ضروب الخيال؟ .
باحث إماراتي
yasser.hareb@gmail.com