في كل سنة يعكف البنك الدولي، وهو المؤسسة المالية الأكبر والأقدم ضمن وكالات وصناديق منظومة الأمم المتحدة الدولية، على إعداد وإصدار تقرير دولي يترقبه كل المعنيين بشؤون المال والأعمال على صعيد العالم. يحمل هذا التقرير عنوانه السنوي المعهود:

«حالة الاقتصاد في العالم»

وبديهي أن حالة العالم الاقتصادية لا بد وأن تنقسم إلى أوضاع معقولة في الأقطار التي حظيت بالموارد ونعمت بالثراء وهي قلة قليلة، وإلى أوضاع أخرى تعاني فيها الجماهير الغفيرة محنة الفقر وآفة المسغبة وقسوة المعيشة وسوء الأحوال.

ذات يوم جلس صديقان في أميركا يطالعان أحدث تقرير للبنك الدولي ومعه أيضا تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. لم يكن أي من الصديقين يعاني أية مشكلة.. وربما كان كل منهما يعاني العكس.. بمعنى معاناة الوفرة الوافرة والمال الكثير والثروة التي لا تكاد تحدها حدود.. كانت الصداقة بين الرجلين تثير من العجب قدر ما تثيره من الإعجاب.. يكاد يفصل بينهما نحو 25 سنة من العمر..

ولكن الصداقة كانت عميقة وتقوم على التفاهم والتقدير.. أما الإعجاب فكان منصبّا على ما حققه كل منهما من إنجازات في مجالات الإبداع والاستثمار والتكنولوجيا.. يكفي أن يكون أحدهما بيل غيتس رائد ثورة الحواسيب الإلكترونية وحامي حمى تكنولوجيا المعلومات، في حين أن الصديق الأكبر سناً واسمه وارن بوفيت حقق معظم ثروته في مجال البورصة واستثمار الأسهم والسندات.

انغمس الصديقان وكل منهما ملياردير (ثروة بيل غيتس تجاوزت حاليا الـ 50 مليار دولار) في حوار عميق حول الفقر وغوائله في كوكب الأرض.. وتوصلا إلى أن الفقر هو أساس المشاكل والرزايا التي تعاني منها البشرية..

لا عجب أن اجتمع قادة العالم مع مفتتح القرن الحادي والعشرين، وقرروا وضع جدول أعمال القرن الجديد ثم عمدوا إلى بلورة الغايات الإنمائية التي ترنو البشرية إلى تحقيقها في العقدين الأول والثاني من هذا القرن ولخصوا هذه الأجندة في 8 أهداف جاء على قمتها الهدف التالي.

القضاء على الفقر في العالم بالعمل على تخفيضه إلى النصف بحلول عام 2015.

والحاصل أن تشخيص أدواء عالمنا مع هذه الألفية الجديدة يبدأ، وربما ينتهي، عند هدف القضاء على الفقر..

فهو الذي يقسم شعوب الكرة الأرضية إلى محرومين ومتخمين، وهو الذي يسبب البطالة ويدفع من ثم إلى الجرائم الفردية والعنف الجماعي واندلاع لهيب الصراعات العرقية والإقليمية والجهوية واللونية والطبقية على السواء. وهو الذي يحرم الناس من الموارد التي كان يمكن رصدها لصالح الأهداف التي باتت من ألزم ضرورات الحياة المعاصرة فوق ظهر الأرض..

أهداف من قبيل: تقليل معدلات وفيات الأمهات والأطفال الصغار وانتشار الأمراض الفتاكة.. وإنصاف الفئات المستضعفة داخل مجتمعاتنا ومنها المرأة والطفل والشباب والطاعنون في السن والمعوقون.

إننا نتأمل كل هذه الأدواء التي تصيب المجتمع البشري ونتدبر معها كل ما وعاه تراثنا العربي - الإسلامي المضيء من تصورات مفعمة بالرشد والحكمة، ومن ذلك مثلا ما جاء في الأثر من قبيل: كاد الفقر أن يكون كفرا.. أو من قبيل: لو كان الفقر رجلاً لقتلته.

على مدى 15 عاما - كما يقول الكاتب الأميركي لانوون توماس (نيويورك تايمز ملحق المال والأعمال 27/6/2006) تواصلت حوارات أغنى رجلين في أميركا وهما غيتس وبوفيت حول قضايا شتى وإن كانت مسارات الحوار تصب كثيرا في جانب السؤال الجوهري المباشر:

ما الذي يمكن أن نفعله، ونحن من الثراء في غايته، من أجل المساهمة في انتشال البشرية من غائلة الفقر؟

وربما كان بيل غيتس هو الأسبق إلى الإجابة عن هذا السؤال - لم يكن قد بلغ الخمسين حين أعلن بالأمس القريب إنشاء مؤسسة تحمل اسمه واسم زوجته (مؤسسة بيل وميلندا غيتس) التي رصد من أجلها عشرات المليارات لأغراض العمل على الصعيد الدولي من أجل إنقاذ أطفال البشرية ومكافحة الأمراض الوبيلة المتوطنة وخاصة في أفريقيا وهي أشد قارات العالم تعاسة وتضررا.

ولكن ها هي الأخبار تترى مع الأسبوع الأخير من يونيو الماضي حول مبادرة السيد بوفيت إلى إعلان التبرع بمبلغ لا يقل عن 31 مليار دولار لصالح أعمال الخير والإحسان على مستوى العالم.

وربما كان أهم ما في هذه المبادرة أن مستر بوفيت البالغ من العمر 75 عاما اختار أن يحول تبرعه السوبر - سخي هذا إلى حيث تتولى إدارته مؤسسة بيل وميلندا غيتس من باب الثقة أولا في الكفاءة الإدارية وفي التوجهات الخيرية الصائبة التي اكتسبتها المؤسسة على مستوى العالم.

في كل حال فما زال بيل غيتس يشكل نموذجا فريدا ولكن يمكن احتذاؤه بصور شتى لمعنى أن ينجح الإنسان وينجز الإنسان ويحقق الإنسان من الثراء ما يتجاوز الأساطير ويفوق الأحلام.. ثم يحرص الإنسان بعد هذا كله أن يظل .. إنسانا.. وأن يسلك هذا الدرب بغير طنطنة ودعايات ناهيك عن اجترار الأمجاد وطلب الثناء من الناس.

لهذا تنشر «الايكونومست» البريطانية لمحة موجزة عن بيل غيتس (عدد 24/6) وتحرص على أن تختار عنوانا بليغا يقول:

«أن تعطي.. وتفعل هو البديل المستجد الفريد عن المعنى التقليدي المتواتر: أن تعطي.. وتأخذ فما بالك بالذين يأخذون ولا يعطون».

ولقد نشرت المجلة الإنجليزية موضوعها في معرض التعليق على ما صرح به بيل غيتس مؤخرا من أنه كرس سنوات من عمره ونشاطه وجهده (وطبعا إبداعه الخارق) من أجل جمع ثروة (ربما تكون الأكبر في التاريخ الحديث) ولكنه بات يفكر في تكريس السنوات المقبلة من أجل التصرف في هذه الثروة (في أغراض إيجابية وخيرية وإنسانية بناءة بطبيعة الحال).

ولا شك أن كلا الرجلين: غيتس وبوفيت يعدان من نوادر زماننا.. هذا الزمان الذي سادته أطماع الأثرة وآفة الاستقلال الفردي والجماعي وعدم المبالاة في أغلب الأحيان بمعاناة الآخرين.. وفي هذا تعلق نيويورك تايمز قائلة في افتتاحية العدد الصادر يوم 27/6):

- في عالم اعتاد على اقتناء الثروة والاستحواذ عليها بمبالغ هائلة، لا بد وأن يظل المرء في حال أقرب إلى الذهول وهو يرى هذا القدر الهائل من ثروة غيتس وبوفيت وهما يوجّهانه إلى أغراض الخير...

بيد أن هذه الفئة من نوع الميجا - أثرياء ليست جديدة بل هي تأتي بوصفها قيمة مضافة إلى سوابق كثيرة (في المجتمع الأميركي) إلى إنشاء مؤسسات ما زالت فاعلة ومؤثرة ويرجى منها الكثير ومنها مثلا مؤسسة ديل كارنجي للسلام ومؤسسة فورد للبحث العلمي ومؤسسة فولبرايت للزمالات الدراسية.

بقيت لنا ملاحظات نوجزها كما يلي:

الأولى أن الميجا - ثروة التي حققها بيل غيتس لم تأت مثلا من مصادر غسل الأموال أو استغلال موارد شعوب العالم الثالث المغلوبة على أمرها، ولا من أرباح كازينوهات القمار واللهو الرخيص..

لقد جاءت كي تجود على البشرية بما يشبه الفتوحات التاريخية وكما جاء غوتنبرغ الألماني (1397-1468) بفتح اسمه آلة المطبعة.. وكما جاء ماركوني الإيطالي (1874-1937) بفتح اسمه اتصالات اللاسلكي، جاء غيتس الأميركي بإمكانيات تطوير برمجيات الحاسوب وشبكة المعلومات الدولية وهو بدوره فتح استطاع أن يجسد ما سبق وذهب إليه علماء السياسة والاتصال من أن العالم أصبح بالفعل قرية كونية.

الثانية إن العبرة هي بالعقلية الابتكارية واستقامة المقصد وجدية الجهد الشاق المتواصل وأهمية إتقان العمل (هي قيمة إسلامية منسية للأسف في مجتمعات المسلمين).. وكل ذلك بغير اشتراط الدرجة الجامعية الرفيعة ولا اللقب العلمي المبهر.. بيل غيتس في التخيل الأخير لم يكمل مساق الدراسة في الجامعة.

الثالثة وهي لمسة إنسانية تتمثل في مقولة السيد بوفيت في أنه شرع بالتفكير في هذا التبرع السخي بمعظم ثروته بعد رحيل زوجته ورفيقة حياته، وكل ما اشترطه في مؤسسته الخيرية الغلوبالية الجديدة أن تحمل اسمها «سوزان».

أما الملاحظة الأخيرة فهي تتعلق بنا في دنيا العروبة وعالم الإسلام.. لدينا أثرياء ومنهم محسنون كبار في السر والعلن.

لكن سنظل بحاجة إلى مثل هذا السخاء في التبرع من جهة أولى، وإلى أهمية توجيه الأموال بصورة منهجية وموضوعية من خلال إدارة رشيدة ودقيقة وعلمية من جهة ثانية وهذا هو الجانب المؤسسي المطلوب بحيث يتم التبرع والتوجيه والإنفاق على ضوء دراسات متعمقة وبحوث متخصصة بحيث تلبي احتياجات قومنا.. وربما تتغير الأحوال إلى الأفضل.. ربما.

كاتب مصري