إن ذهنية التأبيد قد استحكمت في بعض رؤساء الجمهوريات العربية، فصاروا لا يعرفون الطريقة ليحولوا أنظمتهم الرئاسية إلى ملكية وراثية، ولو كان بأيديهم لفعلوها بجرة قلم واستراحوا وأراحوا أنفسهم من مسألة الترشح والترشيح، والنقد والتحليل، والقيل والقال!!

في العالم العربي هناك منطقان في التعامل مع الأمور، منطق الطيور ومنطق الأشجار، الطير يبني عشه على أية شجرة ويملأه بالبيض، ويربي فيه صغاره حتى يتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم والتحليق بعيداً عنه، وحين يفعلون ذلك يزيل العش وينظف المكان بكل أمانة، وينطلق ليعيش التجربة مرة أخرى على شجرة أخرى بعد أن أدى ما عليه! إنه يرحل مختاراً، وسعيداً لأنه يعلم على وجه التأكيد بأنه سيجد شجرة أخرى أو مكاناً آخر يبدأ منه دورة حياة أخرى!

إن الذين يهتمون بالزراعة ويعتنون بالأشجار، يعرفون من واقع خبرتهم أن الشجرة يمكن اقتلاعها من أرضها أو تربتها حين تكون عوداً صغيراً أو شجيرة وهي حتى في هذه الحالة تحتاج عناية ومعالجة خاصة.

أما حين تصبح شجرة ضخمة، وحين تمتد جذورها متشابكة في باطن الأرض، وحين تستمتع بتربتها وأرضها، وتشكل حياة وظلاً ومشهداً ثابتاً، يصعب عنده اقتلاعها وإعادة زرعها في مكان آخر، إنها في هذه الحالة تعلن موتاً بطيئاً وتدريجياً، فتصفر الأوراق.

وتتيبس الأغصان، وتجف الفروع وتتوقف الجذور عن امتصاص الغذاء من التربة الجديدة، شكل من أشكال التمرد أو العصيان تعلنه الشجرة رافضة التغيير ومتشبثة بواقعها القديم (باستثناء أنواع قليلة من الشجر مثل النخيل)!

الناس عندنا يتعاملون مع الحياة بهذا المنطق، اعرف صديقات مازلن في وظائفهن التي عملن فيها منذ تخرجهن من المدرسة، وأعرف أخريات وآخرين غيروا وظائفهم أكثر من مرة، بعض أولئك تجذروا في المكان كالأشجار وصاروا يعانون الخوف من التغيير والانطلاق نحو فضاءات أخرى، وبعض أولئك المغيرين تعاملوا مع الأمكنة كمحطات في الحياة كل واحدة تقود إلى الأخرى.. والحياة واسعة وتحتمل مئات الخيارات وتمنح آلاف الفرص.

بعض الحكام والرؤساء لا يمكنهم العيش بعيداً عن شجرة الرئاسة والنفوذ، فحين يتسلمون الحكم يفعلون كل ما في وسعهم للتجذر فيه، وللبقاء إلى الأبد، مع أن أنظمة بلادهم وقوانينهم ودساتيرهم تقول عكس ذلك، لكن عقلية الشجرة تحكمهم، ولذلك فهم مثل بعض الأشجار يحجبون الضوء عن بقية الأشجار فيقتلونها.

ويزاحمون حتى العشب على الضوء فييبس ويصفر، بعض الرؤساء الجمهوريين يحجبون طوابير كبيرة من الشباب والإصلاحيين ودعاة التغيير ممن يحق لهم المنافسة على الرئاسة، فيصبحون في النهاية وحدهم بلا منافس، ويشعرون شعوبهم أنهم إن رحلوا سيتهدم كل شيء فوق رؤوس الجميع، سيجوع الشعب ويعرى، وستعم الفوضى، وسيأتيهم حكام يعاملونهم بالحديد والنار.

هكذا يفرضون رؤيتهم على شعوبهم، على أنهم وحدهم القادرون، ووحدهم المخلصون، ووحدهم الآباء الحنونون، ولذلك ان رحلوا أو فكروا بعدم الترشح، تخرج الجماهير مولولة على حظها العاثر إن لم يعودوا.. فيعودون!!

sultan@dmi.gov.ae