هناك واحد من خيارين.. إما أن العالم العربي بات يرى عمليات المقاومة الفلسطينية إرهابا لا ينبغي الدفاع عنه، وذلك انسحاقا أمام الرؤية الإسرائيلية ـ الأميركية. وإما أنه أصبح يستمرئ ما يحدث من مهانة واستخفاف بدم الضحايا العرب وبحرمة المدن العربية أو يتقبله على الأقل كفعل يومي لم يعد يلفت انتباه أحد.

لا أتحدث هنا عن الحكومات فقد شبع الجميع من فضح ما هي عليه، ولكن ماذا أصاب الضمير العربي العام؟ وهل هو الآخر أصيب بالعطب تطبيقا لمقولة: (كما تكونوا يول عليكم)؟.

الأسئلة كثيرة ومفتوحة وموجعة.. وتصل إلى حد الاستفسار عن وجود أمة عربية بالمعنى الحقيقي للكلمة من عدمه، وإذا كانت موجودة فأين هي؟ ولماذا لم تبتكر آليات لكسر جدار الصمت الحكومي الذي يعم العواصم على امتداد الجغرافيا (العربية افتراضا)؟

وإذا كانت للعربي صفات الجمل الذي يصبر طويلا وفي لحظة مفاجئة يمكن أن يبطش بأعدائه، فلماذا تأخر هذا البطش على مدي عقود؟ وهل سيجيء يوم يحدث ذلك أصلا؟

في السنوات الأخيرة أثبتت الرهانات على الجماهير أنها خاسرة تماما.. ليست رهانات أولئك الذين لا يزالون يتشبثون بخشبة المقاومة وحدهم، وإنما رهانات المسؤولين الذين يعتبرون حركة الجماهير إثما، ورهانات السياسيين الأجانب الذين يحترمون حقائق واقع يجري على الأرض، ولا يعيرون اهتماما لعواطف مكبوتة ولا لأمنيات كسولة.

هناك شعور يائس منتشر في معظم العواصم العربية مبني على توهم أن حركة الجماهير في الشارع ليست ذات جدوى، وأن ما يجري في فلسطين معركة بين متحاربين، ومن ثم فإن حمل السلاح في وجه العدو هو الفعل الوحيد. وما دامت الحدود مقفلة فبإمكانهم أن يذهبوا إلى بيوتهم ويناموا مرتاحي الضمير.

بالطبع هذا منطق فاسد، فالغضب الذي يطفو إلى السطح في العواصم العربية يمكن أن يغير المعادلة تماما، بل يمكن أن يغير الشعور السائد في دولة الاحتلال وفي العواصم الغربية بأن ما يجري من جرائم في غزة والضفة له مشروعية.

لقد خرج متحدث إسرائيلي على شاشة الجزيرة مساء الخميس الماضي ليؤكد أن صمت العواصم العربية شعوبا وحكاما على اعتقال ثلث حكومة حماس و22 من أعضاء المجلس التشريعي يمثل دليلا على مشروعية ما تفعله إسرائيل وعلى أنها تقاوم إرهابا لا يجد من يدافع عنه !!

لو خرجت الجماهير لأجبرت المسؤولين على التحرك والدعوة لقمة عاجلة مثلما حدث في أكتوبر 2000 ولأجبرت العواصم الغربية على رؤية ما يجري بمنظار آخر ينطوي على شيء من العدالة، وحتى إن لم تتحقق أشياء كهذه يمكن للغضب العربي أن يشد من عزم المقاومين وأن يجعل المرابطين في غزة والضفة أكثر صلابة وإيمانا بكسر شوكة المعتدي، وعدم الركوع أمام آلته العسكرية الجبارة.

هل كان لا بد أن تدنس إسرائيل المسجد الأقصى حتى تستثير مشاعر الغضب عند هذه الأمة النائمة؟ ما هذه الرؤى القاصرة.. وهل المسجد الأقصى أكثر حرمة من دماء المسلمين؟

ليست مواجهة العدوان وحدها هي ما تحتاج مؤازرة الجماهير، لكن البحث عن أي حلول تفاوضية يحتاج هو الآخر إلى مساندة، ورحم الله أيام الحروب العربية - الإسرائيلية حينما كانت الأمة كلها تحتشد.. ساعتها سادت نغمة تقول بأن إسرائيل محاطة ببحر عربي معاد وغاضب، الآن هناك بحر عربي لكنه لم يعد يهدد بإغراق إسرائيل، بل مجرد ماء ضحل تغتسل فيه من الذنوب.

أليس محزنا أن يكون الفلسطينيون على شفا أزمة إنسانية وحولهم عالم عربي متخم، وأن لا يجدوا غير الحجارة يدفعون بها عن أنفسهم العدوان في حين ينفق العالم العربي مابين 30 و40 مليار دولار سنويا على التسلح.

وأن تقوم قائمة تل أبيب والعواصم الغربية من أجل جندي إسرائيلي واحد في حين لم يفلح خطف غزة بأكملها على يد إسرائيل في دفع أكثر العواصم العربية إلى عقد اجتماع عاجل على مستوى القمة أو حتى وزراء الخارجية؟

من يهن يسهل الهوان عليه...

مالجرح بميت إيلام

magdishendi@hotmail.com