عندما انتخب عمير بيرتس رئيساً لحزب العمل الإسرائيلي رأى كثير من المحللين أنه سيكون أكثر اعتدالاً من غيره تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، باعتباره مدنياً ليس له تاريخ عسكري أو أمني، ومن مواليد المغرب أي من اليهود العرب أو اقلها من اليهود الذين ألجأهم العرب وحموهم مئات السنين، ولأنه كان لعدة سنوات رئيس اتحاد العمال الإسرائيليين (الهستدروت) فهو أقرب إلى اليسار وأبعد عن التيارات العنصرية والمتطرفة والدموية في إسرائيل،

ولأنه كان نصيراً للسلام ولاتفاقيات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وشارك بعدة مظاهرات تستنكر الاعتداءات العسكرية على الشعب الفلسطيني وأيد صراحة ما سميت مبادرة جنيف بين بعض الفلسطينيين وبعض الإسرائيليين، هذا إضافة إلى توجهاته الاجتماعية المعروفة واصطفافه إلى جانب الفقراء وإعلانه أكثر من مرة أنه يريد تخليص حزب العمل من قبضة نخبة اليهود الأوروبيين (الأشكنازيم) لصالح الشرائح الدنيا من المجتمع الإسرائيلي بما فيها اليهود الشرقيين (السفراديم)،

وكان قد حاول قبل ذلك تشكيل حزب (عام آحاد) الأقرب إلى اليسار ثم ضم هذا الحزب إلى حزب العمل بعد أن أغراه شمعون بيريز بوعود وآمال، ولكنه ما لبث بعد انضمامه أن انقلب على بيريز نفسه وترشح رئيساً للحزب ضده وأسقطه في الانتخابات أمام ذهول عديد من أعضاء الحزب ومن الإسرائيليين، خاصة وأنها المرة الأولى التي يتولى فيها شرقي ويساري قيادة الحزب بعد أن كانت دائما تحت قيادات تاريخية (أشكنازية) غربية منذ تأسيسه،

ولنتذكر أن من قادة حزب العمل (على مختلف مسمياته خلال تاريخه) دافيد بن غوريون وليفي أشكول وغولدا مائير واسحق رابين وشمعون بيريز وأن هذا الحزب لعب دوراً حاسماً في قيام إسرائيل وقيادتها طوال عدة عقود إلى أن انتهى به الأمر تحت قبضة عمير بيرتس الذي أتاه من خارج النخبة وخارج الياقات البيضاء لحزب العمل.

لهذه الأسباب اعتقد كثير من الإسرائيليين والعرب من المحللين والصحافيين أنه إذا استطاع عمير بيرتس قيادة حزب العمل الإسرائيلي إلى النجاح بالانتخابات أو فرض مشاركته في الحكومة فسيجبر الحكومة الإسرائيلية برمتها أن تكون أكثر اعتدالاً وأن تخفف عدوانيتها تجاه العرب والفلسطينيين وتقبل جزئياً بإعادة حقوقهم معتمدين على مسيرته الطويلة ذات الطابع الاجتماعي والعمالي واليهودي الشرقي والسلمي واعتبروا ذلك شبه بديهي وتحصيل حاصل.

لكن الذي حصل عكس ذلك تماماً، فقد ابتعد شارون عن السلطة ولم يتقدم حزب العمل في الانتخابات بقيادة بيرتس تقدماً يذكر وجاء ايهود أولمرت خليفة لشارون وتحألف مع حزب العمل في تشكيل الحكومة، وتولى أولمرت رئاسة الحكومة وبيرتس وزارة الدفاع،

وكانت المرة الأولى في تاريخ إسرائيل أن تتولى المنصبين شخصيتان مدنيتان ليس لأي منهما تاريخ عسكري أو أمني، فقد شغل أولمرت مناصب مدنية من أهمها رئيس بلدية القدس ووزيراً في حكومة شارون وعلى أية حال تخوف الإسرائيليون من هذه الحكومة التي لا يقودها عسكريون أو أمنيون وظن كثيرون أنها ستجنح إلى السلم مع الفلسطينيين خاصة والعرب عامة.

لم يحصل ما توقعه أكثرية المراقبين فقد كان أولمرت وبيرتس أكثر تشدداً من شارون، فهذا (أي شارون) كان يمارس التشدد في السياق العام لسياسته ولشخصيته وقناعاته وأسلوبه، أما هنا فإن التشدد مصطنع وليس من سياق الأمور وإنما له وظيفة أخرى هي أن يؤكد كل من أو لمرت وبيرتس حزمه وعزمه على حساب دماء الشعب الفلسطيني وحقوقه ولذلك كان تشدد الاثنين

كما هي ضربة الخائف: غير متوازنة ولا تتناسب مع الحدث ولها وظائف أخرى غير وظيفتها الأساسية تتعلق برغبة كل منهما أن يظهر قوياً، وهكذا تناسى عمير بيرتس بل نسي كل ما قيل عنه من انحياز لحركة السلام أو للتوجهات الاجتماعية او لمولده المغربي وأخذ يصول ويجول ويبدي تطرفاً وهمجية وعدوانية أكثر من غيره من الجنرالات سواء كانوا من اليمين العنصري أم من غير اليمين

وشهدنا في الأسبوعين الأخيرين أوامره (أو على الأقل موافقته) على اصطياد الأطفال الفلسطينيين في شواطئ غزة وتدمير البيوت على رؤوس الآمنين ووضع الخطط لحملات همجية جديدة واسعة وشاملة، ليثبت حزمه وعزمه ويعوض ما قيل عنه من أنه ليس من نتاج المؤسسة العسكرية أو الأمنية الإسرائيلية ولا يقل همجية عن غيره.

إن تاريخ حزب العمل هو ـ عند التدقيق ـ لا يختلف عن تاريخ حزب الليكود في موقفه من حقوق الفلسطينيين والعرب، فحزب العمل الذي كان نتاجاً لتحالف عدة أحزاب وحركات عمالية إسرائيلية، هو الذي كان ومازال مسيطراً على اتحاد العمال الإسرائيلي (الهستدروت) وهو الذي أسس (الهاغاناه) التي أصبحت نواة الجيش الإسرائيلي وقامت بأعمال إرهابية مشهودة خلال حرب 1948 وهو مؤسس مزارع الكيبوتس والمستعمرات (المستوطنات) التعاونية والذي كان مسيطراً على المنظمة الصهيونية العالمية وعلى الوكالة اليهودية،

وقد حكم إسرائيل طوال ما يقارب الأربعين عاماً فربطها بالسياسة الامبريالية وقاد العدوان على مصر عام 1956 وعلى البلاد العربية في يونيو 1967 وأيد الحرب الأميركية في فيتنام والحركة العنصرية في جنوب أفريقية، وهو صاحب مشروع (آلون) الذي أسس للهيمنة على حوض نهر الأردن وخطط للمستعمرات (المستوطنات) الحالية واستن سياسة الاستيطان التي كانت من فعله وتحت رعايته ولم يأت شارون بجديد في هذا المجال سوى استكمالها،

وما أوقعه حزب العمل بالبلاد العربية والحقوق العربية يفوق ما أوقعه الليكود، ولكنه كان ماهراً في الخداع حيث يظهر نفسه أنه حزب يساري يدعو للسلام والتعاون بين دول المنطقة على عكس ما ينفذه في حيز الواقع، لهذا كان من السذاجة الاعتقاد أن عمير بيرتس سيكون مختلفاً عن غيره وأن دهاقنة حزب العمل الإسرائيلي سيسمحون له بأن يكون مختلفاً،

وزاد الأمر سوءاً رغبته الشخصية وحاجته لأن يبدو متطرفاً و(جنرالاً) بدون نجوم، وهو ما يفعله الآن من خلال موقعه كوزير لدفاع الدولة الصهيونية، ولم تنفع شواربه الكثة في أن تجعله مختلفاً عن القادة السابقين لحزب العمل، ويبدو أن الجميع يبنون أمجادهم على حساب الحق العربي والدم العربي.

كاتب سوري