القرار الذي اتخذته وزارة العمل، والرامي إلى توطين وظائف إدارات الموارد البشرية، أو شؤون الموظفين، كما تسمى، في القطاع الخاص، يعتبر في نظرنا من أهم القرارات التي تتخذ في هذا المجال. فهذه الوظيفة، عندما ننظر إليها عن قرب، نرى أنها هي التي تحدد، وبشكل كبير، جنسية الأشخاص الذين ينتمون للمؤسسات التي تشغلها.

ولن نخوض طويلا في مثل هذا الكلام، لأن معظم الناس يعرفون أن كل شخص يميل بشكل طبيعي إلى التعامل مع الجماعة العرقية التي ينتمي إليها، وهذه مسألة طبيعية ولا إشكالية حولها، إلا من حيث كونها، في بلدنا قد أسهمت، وبشكل كبير في إقصاء المواطنين وفي تهميشهم، مثلما أسهمت في إيجاد ثقافة زائفة حولهم تطعن في قدراتهم وتسيء إلى ثقافتهم وإلى شخصيتهم.

سلطنة عمان سبقتنا، في مشروعها للتوطين في اتخاذ قرار مشابه للقرار الذي اتخذته وزارة العمل عندنا، والنتيجة أن السلطنة من أكثر دول الخليج نجاحا في إدماج شعبها في مختلف القطاعات الوظيفية، بما في ذلك معظم قطاعات العمل اليدوي. ودولة الإمارات حينما تتخذ مثل هذا القرار فإنما يكشف لنا الأمر أن هناك اهتماما حقيقيا، ليس فقط بتأمين الوظائف للمواطنين، وإنما هناك أيضا اهتمام حقيقي بكيان المجتمع كله، والمحافظة على مصلحته وأمنه.

لأن التوطين يعني أن هناك توجها حقيقيا نحو احترام الإنسان المنتمي إلى هذه الأرض والحفاظ على كيانه ومصالحه، وهذا هو ما يجعل الوطن أيضا في حالة توازن أفضل. لأن الجانب الثاني الذي يعكسه هذا القرار هو أن وزارة العمل مدركة أن الحفاظ على كيان المجتمع والتقليل من مخاطر ظهور ردات الفعل غير الإيجابية فيه تتركز بالدرجة الأولى في احترام الإنسان وإيجاد الظروف المناسبة له كي يعيش في بيئة تحترم كرامته وتعينه على العيش الكريم. وهذه هي البيئة الحقيقية التي تقي المجتمعات شر الدخول في توترات تزعزع أمنها واستقرارها.

النقطة المهمة الأخرى التي يجب أن نذكرها هنا، وفي سياق عملية التوطين، أن الواقع الحقيقي يكشف لنا أن معظم الوظائف التي يشغلها الأجانب باستطاعة أي مواطن أن يؤديها. وإن كان هناك أدنى شك فيما أقول فليتم عمل بحوث ميدانية تكشف لنا مصداقية هذا الأمر. ايضا كشفت لنا تجاربنا العملية أن الأجانب حين يشغلون وظائف إدارات الموارد البشرية فإنهم لا يسعون فقط إلى التشكيك في قدرات المواطنين، وإنما يسعون أيضا إلى تصميم الوظائف وشروطها بما يتناسب مع مصالحهم وامتيازاتهم الشخصية.

وعلى سبيل المثال استقدمت إحدى مؤسساتنا الوطنية مديرا للموارد البشرية لها وأول شئ قام به هذا المدير استبعاد الكثير من الموظفين المواطنين في تلك المؤسسة وتشغيل أناس لا يمتلكون لا الكفاءة ولا القدرة المناسبة في الكثير من الوظائف الهامة في تلك المؤسسة.

الشيء الآخر أيضا الذي اشتغل عليه هذا الموظف الأجنبي هو تقليل الامتيازات التي يحصل عليها المواطنون وزيادة الامتيازات التي يحصل عليها الأجانب، كأن يحصل الأجنبي مثلا على بدل أثاث في كل مرة يجدد عقده فيها، ولا يحصل المواطن على هذا الامتياز، لأن عقده لا يجدد إلا مرة واحدة فقط.

امتيازات أخرى صممها هذا الموظف لنفسه، وللموظفين الأجانب في المؤسسة شملت الحصول على تذاكر سفر لهم ولزوجاتهم، ولأبناء الزوجات والأزواج أيضا، لأن هذا الرجل متزوج من إمرأة لديها أبناء من زواج سابق ولا يريد هذا الموظف أن يحرمهم من الامتيازات التي قد تمنحها تلك المؤسسة للأجانب وأبنائهم.

الموظفون الأجانب أيضا في بعض مؤسساتنا يحظون بامتياز تدريس أبنائهم في المدراس الخاصة، حتى في المستوى الجامعي، وحتى وهم في بلدانهم الأصلية، ولا يحظى بهذا الامتياز الكثير من أبناء المواطنين. إدارات شؤون الموظفين الأجنبية أيضا تغير أحيانا في نوعية الكفاءة التي تشكلها جماعات فتعطي امتيازات وحتى مسميات علمية لأناس لا يحملونها في الحقيقة، وذلك حتى تروج لمفهوم أن الوافد الأجنبي أكثر كفاءة من المواطن، حتى ولو كان هذا الوافد يشغل وظيفة نادل قبل أن يشغل الوظيفة الهامة التي سلمت له في هذه الدولة.

وهناك رواية من إحدى الصديقات أنها صادفت أثناء سفرة لها إلى استراليا شخصا تعاقدت معه إحدى مؤسساتنا المحلية براتب قدره خمس وستون ألف درهم، المفاجأة التي اكتشفتها الأخت أن هذا الشخص يحمل فقط شهادة الإعدادية، وهذا هو المؤهل العلمي المتميز الذي يحمله (أم أن الامتياز في الحقيقة يقع في كونه أشقر ويتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة).

زيادة على ذلك، إن ردات الفعل التي عبر عنها بعض الأجانب في الصحف المحلية، غير العربية تحديدا، تكشف لنا عن مشكلة خطيرة يجب التنبه لها، وإن كنا قد تحدثنا عنها كثيرا، ألا وهي نوعية الصورة والمشاعر التي يحملها الأجانب لنا كمواطنين، والتي لا تفتأ تتكشف عن كمية كبيرة من التنميط، وحتى عدم الاحترام.

وهنا أجد نفسي في حاجة إلى أن أذكر أن مواطن هذه الدولة ليس فقط هو الشخص الباحث عن عمل أو الذي يجد نفسه منقوصا من قدره أو مساء إليه، حتى من قبل المؤسسات الوطنية، مواطن هذه الدولة هو موظفها البسيط، وهو المدير في بعض المؤسسات، وهو الأستاذ والمعلم، وهو أيضاً المواطن الذي يشغل أعلى المناصب، واحترام هذا المواطن، بالضرورة يعني احترام كل هؤلاء، والعكس صحيح أيضا.

جامعة الإمارات